فمما يدل على أن مواضع الرحمة بالجمع أولى قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم: 46] ، وإنما تبشر بالرحمة، ويشبه أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد هذا الموضع من التنزيل. ومواضع الإفراد من
العذاب كقوله: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} [الذاريات: 41] .
وقد يختص اللفظ في التنزيل بشيء فيكون أمارة له، فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله: {وَمَا يُدْرِيكَ} مبهم غير مبيّن، كقوله: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: 17] ، وما كان من لفظ (أدراك) مفسّر، كقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} [القارعة: 3] ، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} [القارعة: 10] .
فأما التفسير، فالتصريف في اللغة: التقليب، وهو تَفْعيل من الصَّرف، والصَّرف: القلب عن الشيء. والصَّرِيف: اللبنُ الذي سَكَنَت رَغْوتُه؛ لانصراف الرغوة عنه، وقيل: لا يُسمَى صريفًا حتى يُنصرف به عن الضرع، والصريف: الفحل نابيه؛ لأنه يقلب أحدهما بالآخر.
قال المفسرون: ومعنى {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} : تَقْليبُها قَبُولًا ودَبُورًا وشمالًا وجنوبًا، كما بَيَّنَّا، وتصريفها مرةً بالرحمة، ومرةً بالعذاب، وتصريفها مرة حارةً، ومرةً باردةً، ومرة لينةً، ومرةً عاصفة.
وقوله تعالى: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّر} سمي السحاب لانسحابه في الهواء.
ومعنى التسخير: التذليل، {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّر} : المطيعة لله تعالى. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 3/ 452 - 466} .