يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً، وَنِدَاءً، صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، بُكْمٌ يَعْنِي خُرْسٌ عَنْ قِيلَ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَالْإِقْرَارِ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يُقِرُّوا بِهِ وَتَبْيِينِ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنْ يُبَيِّنُوهُ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسٍ، فَلَا يَنْطِقُونَ بِهِ وَلَا يَقُولُونَهُ وَلَا يُبَيِّنُونَهُ لِلنَّاسِ، عَمًى عَنِ الْهُدَى وَطَرِيقِ الْحَقِّ فَلَا يُبْصِرُونَهُ.
وَأَمَّا الرَّفْعُ فِي قَوْلِهِ: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} فَإِنَّهُ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ الِابْتِدَاءِ وَالِاسْتِئْنَافِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: هُوَ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ، وَهُوَ أَبْكَمُ لَا يَتَكَلَّمُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} يَاأَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَقَرُّوا لِلَّهِ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ
{كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}
يَعْنِي: أَطْعِمُوا مِنْ حَلَالِ الرِّزْقِ الَّذِي أَحْلَلْنَاهُ لَكُمْ، فَطَابَ لَكُمْ بِتَحْلِيلِي إِيَّاهُ لَكُمْ مِمَّا كُنْتُمْ تُحَرِّمُونَ أَنْتُمْ وَلَمْ أَكُنْ حَرَّمْتُهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ.
{وَاشْكُرُوا لِلَّهِ}
يَقُولُ: وَأَثْنُوا عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ مِنْكُمْ عَلَى النَّعَمِ الَّتِي رَزَقَكَ وَطَيَّبَهَا لَكُمْ {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}