ثم ذكر بعد ذلك ما يعين على الصبر على أعظم المصائب في الله وهو القتل، بأن عرفنا حال الشهيد عنده. ثم بين لنا حال الصابرين، وحقيقة الصبر، وأجره، وعلى ماذا يكون، فاستكملت المجموعة بذلك قضية الصبر المكمل للشكر، الذي طولبنا به في نهاية المقطع السابق. وهل الإسلام إلا صبر وشكر وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ. أي: لنمتحننكم ولنختبرنكم بِشَيْءٍ أي: بقليل مما ذكر. وقلل ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليه. ويرينا أن رحمته معنا في كل حال. وأعلمنا بوقوع البلواء قبل وقوعها لنوطن نفوسنا عليها مِنَ الْخَوْفِ خوف العدو وَالْجُوعِ القحط أو الإملاق أو الفاقة أو العوز. وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ أي: ذهاب بعضها كموت المواشي وأمثال ذلك وَالْأَنْفُسِ كموت أو قتل الأصحاب والأقارب والأحباب والإخوان، أو بالمرض والشيب. وَالثَّمَراتِ فلا تقل الحدائق والمزارع كعادتها.
قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر إلا واحدة. وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده. فمن صبر أثابه ومن قنط حل به عقابه. وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.
الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة. والصابرون: هم الذين صبروا على هذه البلايا واسترجعوا عندها لأن الاسترجاع تسليم وإذعان. وهذا غاية الصبر.
وأعلى منه الرضى.
الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ من مكروه أو شدة. قالُوا إِنَّا لِلَّهِ إقرارا له بالملك. وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إقرار على أنفسهم بالهلك والعودة إليه، يتسلون بقولهم هذا عما أصابهم. عالمين أنهم ملك لله. يتصرف بعبيده بما يشاء وأنه لا يضيع
لديه مثقال ذرة يوم القيامة. فأعطاهم الله مقابل اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة أن رحمهم وأمنهم وهداهم.
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ أي تعطف وحنو. وَرَحْمَةٌ أي: أمنة من العذاب. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ إلى الطريق الصواب وذلك حين استرجعوا وأذعنوا لأمر الله. قال عمر رضي الله عنه: نعم العدلان ونعم العلاوة أي: الصلاة والرحمة والاهتداء.
فوائد: