أما الحكمة المعنوية: فلأن موسى وعيسى دينهما باقٍ إلى زمن الوحي، وكان أتباعهما يفتخرون بما أوتوا من الآيات؛ فالنصارى يقولون: عيسى بن مريم يُحيي الموتى، ويفعل كذا، ويفعل كذا؛ وهؤلاء يقولون: إن موسى فلق الله له البحر، وأنجاه، وأغرق عدوه، وما أشبه ذلك؛ فبين الله سبحانه وتعالى في هذا أن هذه الأمة تؤمن بما أوتوا من وحي وآيات -
قوله تعالى: {وما أوتي النبيون من ربهم} من باب عطف العام على الخاص؛ والمراد بما أوتوه: ما أظهره الله على أيديهم من الآيات الكونية، وما أوحاه إليهم من الآيات الشرعية؛ و {من ربهم} : {من} للابتداء؛ لأن هذا الإيتاء من الله؛ وإضافة الربوبية إليهم على وجه الخصوص؛ وإلا فالله سبحانه وتعالى رب كل شيء؛ لكن هذه ربوبية خاصة -
قوله تعالى: {لا نفرق بين أحد منهم} هذه الجملة داخلة في مقول القول؛ يعني: قولوا آمنا على هذا الوجه؛ {لا نفرق بين أحد منهم} أي في الإيمان؛ وليس في الاتّباع؛ والضمير في {منهم} يعود على الأنبياء -
قوله تعالى: {ونحن له مسلمون} ؛ {له} الضمير يعود
على الله سبحانه وتعالى - يعني: ونحن لله؛ وقدمه على عامله لإفادة الحصر، ومناسبة رؤوس الآي؛ و «الإسلام» هنا هو الاستسلام لله ظاهراً، وباطناً -
الفوائد:
1 ــــ من فوائد الآية: وجوب الإيمان بالله، وما أنزل إلينا - إلى آخر ما ذكر في هذه الآية؛ لقوله تعالى: {قولوا آمنا بالله -} الآية -
2 ــــ ومنها: أن الذين يؤمنون بوجود الله لكن يشركون معه غيره في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته لم يكونوا مؤمنين -
3 ــــ ومنها: أن الذين يؤمنون بالله، وبربوبيته، وأنه الرب الفعال الخلاق الذي لا يشاركه أحد في هذا، لكنهم يعبدون معه غيره ليسوا بمؤمنين -
4 ــــ ومنها: أن الذين يؤمنون بوجود الله، وربوبيته، وألوهيته لكن في الأسماء والصفات لا يؤمنون ــــ إما أن ينكروا الأسماء، والصفات؛ وإما أن ينكروا الأسماء دون الصفات؛ وإما أن ينكروا بعض الصفات ــــ هؤلاء لم يؤمنوا بالله حق الإيمان، وإيمانهم ناقص -