وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ أي: أمرناهما أن يطهراه من الأوثان والخبائث والأنجاس كلها، للدائرين حوله، والمجاورين الذين عكفوا عنده، أي: أقاموا لا يبرحونه، أو المعتكفين والمصلين راكعين وساجدين. فالعهد هنا بمعنى الأمر، وإنما عدي بإلى لأنه بمعنى: تقدمنا وأوحينا فتقدير الكلام: وتقدمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي من الشرك والريب، وابنياه خالصا لله، معقلا للطائفين والعاكفين والراكعين الساجدين. وقد فهم من ذلك أن الطواف والعكوف والركوع والسجود كلها مما يتعبد الله عزّ وجل به في الحرم، وقد اختلف الفقهاء أيهما أفضل عند البيت الصلاة النافلة أو الطواف النافلة؟. قال مالك: الطواف به لأهل الأمصار أفضل وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقا.
قال العلماء: وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية الكريمة ومن قوله تعالى في سورة النور: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... ومن السنة من أحاديث كثيرة في الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك، ولهذا قال عليه السلام: «إنما بنيت المساجد لما بنيت له» ومن قوله تعالى وَالْعاكِفِينَ استدلوا على جواز النوم في المسجد: قال ثابت: قلنا لعبد الله ابن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مكلم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يجنبون ويحدثون: قال: لا تفعل فإن ابن عمر سئل عنهم فقال هم العاكفون قال ابن كثير: «وقد ثبت في الصحيح أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عزب» .
وهكذا رأينا في الآية ثلاث قضايا معطوفا بعضها على بعض ومرتبطا بعضها ببعض إذ
التقدير: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وقلنا: اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى.
ثم بين تعليل الأمر الثاني وكيف تم تنفيذ القضية الأولى: