وفي قوله: {مِنْ نِسَائِهِمْ} إشارة إلى أن الظهار لا يكون في الأمة، ومن ذلك قالوا: إن للظهار ركنًا، وهو: التشبيه المذكور، وشرطًا وهو: أن يكون المشبه منكوحةً؛ حتى لا يصح من الأمة، وأهلًا وهو: من كان من أهل الكفارة؛ حتى لا يصح من الذمي والصبي والمجنون، وحكمًا وهو: حرمة الوطء، حتى يكفّر مع بقاء أصل الملك.
وقرأ الجمهور: {يظّهَّرون} بالتشديد مع فتح حرف المضارعة. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: {يَظَّاهرون} بفتح الياء، وتشديد الظاء، وزيادة ألف. وقرأ أبو العالية، وعاصم، وزر بن حبيش: {يُظَاهِرُونَ} بضم الياء وتخفيف الظاء، وكسر الهاء. وقد تقدم مثل هذا في سورة الأحزاب. وقرأ أبيّ: {يتظاهرون} بفك الإدغام.
وجملة قوله: {مَا هُنَّ} ؛ أي: ما نساؤهم {أُمَّهَاتِهِمْ} خبر الموصول؛ أي: ما نساؤهم أمهاتهم على الحقيقة، فهو كذب بحت؛ يعني: أن من قال لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي .. ملحق في كلامه هذا للزوج بالأمّ، وجاعلها مثلها، وهذا تشبيه باطل لتباين الحالين، وكانوا يريدون بالتشبيه الحرمة في المُظَاهر منها كالحرمة في الأم تغليظًا وتشديدًا.
فإن قيل: فحاصل الظهار مثلًا: أنت محرّمة عليّ كما حرمت علي أمي، وليس فيه دعوى الأمومة حتى تنفى وتثبت للوالدات؟
يقال: إن ذلك التحريم في حكم دعوى الأمومة، وأنّ المراد: نفي المشابهة، لكن نفي الأمومة للمبالغة فيه.
وقرأ الجمهور: {أُمَّهَاتِهِمْ} بالنصب على اللغة الحجازية في إعمال (ما) عمل (ليس) . وقرأ أبو عمرو، والسلمي، والمفضل عن عاصم بالرفع على عدم الإعمال، وهي لغة نجد وبني أسد. وقرأ ابن مسعود {بأمهاتهم} بزيادة الباء.
ثم بيّن سبحانه لهم أمهاتهم على الحقيقة فقال: {إن} نافية بمعنى: (ما) {أُمَّهَاتِهِمْ} في الحقيقة والصدق {إِلَّا اللَّائِي} جمع التي، أي: ما أمهاتهم إلا النساء اللاتي {وَلَدْنَهُمْ} ؛ أي: ولدن المظاهرين، فلا تشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الشرع بهن من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - والمرضعات، ومنكوحات الآباء لكرامتهن، وحرمتهن، فدخلن بذلك في حكم الأمهات، وأما الزوجات .. فأبعد شيء من الأمومة فلا تلحق بهنّ في وجه من الوجوه.