نعت الآية السابقة على بعض المؤمنين فتورهم في العبادة، وعابت عليهم استهواء النعم لهم، وانصرافهم إلى الترف والنعيم، وجاءت هذه الآية تطمعهم في الرجاء، وتفتح لهم باب القبول، ومداخل الرحمة حتى لا يتملكهم يأْس، ولا يستولي عليهم قنوط، ويعودوا لما كانوا عليه من النشاط في العبادة، والهمة في الطاعة والحماس للدعوة، وجرى فيها الأُسلوب مجرى التمثيل لإبراز القدرة في أَكمل صورة، وعرضها في أوضح بيان حيث شبهت تليين القلوب الغليظة وإنارتها بالإيمان والذكر وتلاوة القرآن بعد الكفر والجحود والظلمة والوحشة - شبهتها - بإحياء الأرض بعد الغيث بالنبات وخصبها بالزرع والخضرة ونبض الحياة بعد الجدب والقفر والعفاء، وهذا كله ترغيب في الخشوع والخشية، تحذير من القسوة والغلظة.
والآية خطاب عام يتلقاه كل راغب في الهداية، طامع في الرحمة من الذين أشارت إليهم الآية السابقة ومن غيرهم بيانًا لمزيد فضل الله، وواسع رحمته.
والمعنى: اعلموا معاشر المؤمنين أَن قدرة الله فوق كل القدر، وأَن فضل الله عظيم على عباده يهبط على القلوب فيوجهها إِلى الهداية، ويحييها بالإيمان, ويوفقها للطاعة بالذكر والتلاوة، كما يحيى بالغيث الأَرض الجدبة فتؤتى ثمرها من النبات والزرع، وتصبح ندية خضراء بعد أَن كانت مقفرة جدباء.
وقوله - تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} بعد هذا التمثيل معناه: قد وضحنا لكم الحجج، والبراهين، التي من جملتها هذه الآيات. كي تعقلوا ما فيها، وتعملوا بموجبها فتنعم حياتكم، وتسعد آخرتكم.
18 - {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} :
هذه الآية دخول على فضائل الأعمال، وبيان حال العاملين ودرجاتهم، بعد أَن عرضت الآية السابقة مظاهر قدرة الله وفضله، في إِحياء القلوب وإثرائها بالإيمان والخير بعد الشر، والعطاء بعد الجفاء.
والمصَّدقون والمصَّدقات يمكن أَن يراد بهم المتصدقون بأموالهم، الباذلون لها عن طيب نفس، وخلوص نية على المستحق للصدقة، ويجوز أَن يراد بهم الذين صدقوا الله ورسوله من التصديق لا من الصدقة.