وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب: إن عليا قد قطعك وأنا وصلتك ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر قال: أفعل، فصعد المنبر، ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إن معاوية بن أبي سفيان قد أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب، فالعنوه فعليه لعنة الله، ثم نزل، فقال له معاوية: إنك لم تبين من لعنت منهما بيّنه، فقال: والله لا زدت حرفا ولا نقصت حرفا، والكلام إلى نية المتكلّم.
ودخلت امرأة على هارون الرشيد وعنده جماعة من وجوه أصحابه، فقالت: يا أمير المؤمنين: أقر الله عينك، وفرحك بما آتاك، وأتم سعدك لقد حكمت فقسطت، فقال لها: من تكونين أيتها المرأة. فقالت: من آل برمك ممن قتلت رجالهم، وأخذت أموالهم، وسلبت نوالهم.
فقال: أما الرجال فقد مضى فيهم أمر الله، ونفذ فيهم قدره، وأما المال فمردود إليك، ثم التفت إلى الحاضرين من أصحابه، فقال: أتدرون ما قالت هذه المرأة، فقالوا:
ما نراها قالت إلا خيرا. قال: ما أظنكم فهمتم ذلك، أما قولها أقر الله عينك، أي أسكنها عن الحركة، وإذا سكنت العين عن الحركة عميت، وأما قولها: وفرّحك بما آتاك، فأخذته من قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
وأما قولها: وأتم الله سعدك، فأخذته من قول الشاعر:
إذا تمّ أمر بدا نقصه ... ترقّب زوالا إذا قيل، تم
وأما قولها لقد حكمت فقسطت، فأخذته من قوله تعالى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً 15، فتعجبوا من ذلك.
وحكي: أن بعضهم دخل على عدوه من النصارى، فقال له: أطال الله بقاءك، وأقر عينك، وجعل يومي قبل يومك، والله إنه ليسرني ما يسرك، فأحسن إليه، وأجازه على دعائه، وأمر له بصلة، وكان ذلك دعاء عليه لأن معنى قوله: أطال الله بقاءك، حصول منفعة المسلمين به في أداء الجزية، وأما قوله: وأقر عينك، فمعناه سكن الله حركتها أي أعماها، وأما قوله: وجعل يومي قبل يومك، أي جعل الله يومي الذي أدخل فيه الجنة قبل يومك الذي تدخل فيه النار، وأما قوله: إنه ليسرني ما يسرك، فإن العافية تسره كما تسر الآخر. فانظر إلى الاشتراك وفائدته، ولولا الاشتراك ما تهيأ لمتستر مراد ولا سلم له في التخلص قياد.