وبقوله: {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} [محمد: 36] ، يشير إلى المؤمنين من أهل الجنة أنه تعالى لا يسألكم جميع أموالكم ليدخلكم الجنة، بل بأداء الزكاة الواجبة يرضى عنكم لدخول الجنة، وهذا لمن يوق شح نفسه، فأما الأحرار عن ذوق الكونين ومن علت رتبتهم في طلب الحق تعالى؛ فلا يسامحون في استيفاء ذرة، ويطالبون ببذل الروح والتزام الغرامات، فإن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، بل يقال لهم: {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ} [محمد: 37] ، به يشير إلى الطالب الصادق، والعاشق الوامق الذي لا ترضى عنه الآية؛ فيخفى في السؤال كذلك أن يسأل الله، فيحفي لا يرضى منه إلا ببذل الوجود إفناء الناسوتية في لاهوتية، وهذا مقام أخص الخواص، وقال للعوام: أن يسألكموها {فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُو} [محمد: 37] ببذل الوجود؛ لقصور همتكم في طلب المقصود ولجهلكم عن كمال المفقود.
ثم قال لأرباب الهمم العلية في طلب المواهب السنية: {هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ} [محمد: 38] في حقيقة الوجود الكلي لنيل المقصود الكلي، فمنكم من يتجلى {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [محمد: 38] ببذل الوجود، {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} [محمد: 38] ؛ لأنه بخل بوجود مجازي، فإنه حرم عن وجود حقيقي باقٍ، {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ} [محمد: 38] لذاته بذاته، ومن غناه تمكنه من تنفيذ مراده، واستغناؤه عن سواه، {وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ} [محمد: 38] إلى الله في الابتداء؛ ليخلقكم في الوسط ليربيكم في الانتهاء ليغنيكم عن أنانيتكم، ويبقيكم بهويته، والله غني عنكم من الأزل إلى الأبد، وأنتم الفقراء يحتاجون إليه من الأزل إلى الأبد.