وقوله وَاللَّهُ مَعَكُمْ فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء.
فأما إذا كان الكفار في حال قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حين صدّه كفار قريش عن مكة، ودعوه إلى الصلح وإنهاء الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى ذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -إن شؤم الكفر باللَّه تعالى ورسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم ومحاولة صد الناس عن الإسلام وشرعه ومعاداة الرسول بعد العلم أنه نبي بالحجج والآيات مرده إلى الكفار أنفسهم، وسيبطل اللَّه في الآخرة ثواب ما عملوه، واللَّه منزه عن أن يتضرر بكفر كافر أو فسق فاسق.
2 -المؤمنون مأمورون على الدوام بلزوم الطاعة في أوامر اللَّه تعالى وسنة رسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم، منهيون عن إبطال حسناتهم بالمعاصي الكبائر، أو بالرياء والسمعة، أو بالمن والأذى، أو بترك طاعة الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم.
وفي هذا إشارة إلى أن الكبائر تحبط الطاعات، والمعاصي تخرج عن الإيمان.
3 -يدل ظاهر نهي المؤمنين عن إبطال أعمالهم على أن من شرع بنافلة، ثم أراد تركها ليس له ذلك، وللعلماء آراء في الموضوع:
فذهب الشافعي إلى أنه يجوز ترك ما شرع فيه من أعمال التطوع، لأن المتطوع أمير نفسه، وإلزامه إياه مخرج عن وصف التطوع: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة 9/ 91] والمراد بالآية إبطال ثواب العمل المفروض، فإن اللَّه نهى الرجل عن إحباط ثوابه، فأما ما كان نفلا فلا، لأنه ليس واجبا عليه. فإن قيل: اللفظ عام، فالجواب أن العام يجوز تخصيصه، لأن النفل تطوع، والتطوع يقتصي تخييرا.
وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يجوز ترك ما بدئ به من تطوع، كصلاة نافلة وصوم تطوع، لأن المتطوع أمير نفسه قبل أن يشرع، أما إذا شرع فقد
ألزم نفسه، وعقد عزمه على الفعل، فوجب عليه أن يؤدي ما التزم، وأن يوفي بما عقد: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة 5/ 1] .