وروى محمد بن نصر المروزي عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: «كنا معشر أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول، حتى نزلت أَطِيعُوا اللَّهَ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات، والفواحش، حتى نزل قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش، ونرجو لمن لم يصبها».
ثم أبان اللَّه تعالى أن أعمال المكلف إذا بطلت، فإن فضل اللَّه باق، يغفر له إن شاء، ما لم يمت على الكفر، فقال:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ ماتُوا، وَهُمْ كُفَّارٌ، فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ أي إن الذين جحدوا توحيد اللَّه، ومنعوا الناس عن دين اللَّه تعالى واتباع رسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم، وماتوا وهم مصرون على الكفر، فلا مغفرة لهم، بل إنهم معاقبون في النار. قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم عن والده، وقال: إنه كان محسنا في كفره. وعن الكلبي: نزلت في رؤساء أهل بدر.
ونظير الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء 4/ 48] . ولا تسامح أكثر من هذا، فإن اللَّه غفور رحيم لمن مات وهو مؤمن، ولا مغفرة ولا رحمة بالموت على الكفر.
ثم بيّن سبحانه ألا حرمة للكافر في الدنيا والآخرة، وأمر بقتال الكفار، فقال:
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، وَاللَّهُ مَعَكُمْ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ أي فلا تضعفوا عن القتال أيها المؤمنون، ولا تدعوا الكفار إلى الصلح والمسالمة ابتداء منكم، وإظهارا للعجز والضعف، فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف، ولا مانع من قبول السلم إذا جنح إليه المشركون، أما في حال كونكم أنتم الأعلون: الغالبون القاهرون المستولون على أعدائكم، فلا تبدؤوهم بطلب الصلح، واللَّه معكم بالنصر والمعونة عليهم، ولن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم.