وفيه: إشارة إلى أنّ الدنيا وما فيها من مثلها إلى آخرها، لا وجود لها في الحقيقة، وإنما هي أمر عارض، وخيال زائل {وَإِنْ تُؤْمِنُوا} أيها الناس بما يجب به الإيمان {وَتَتَّقُوا} عن الكفر والمعاصي {يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} ؛ أي: يعطكم ثواب إيمانكم وتقواكم من الباقيات الصالحات، التي يتنافس فيها المتنافسون، وفي الآية حث على طلب الآخرة العلية الباقية، وتنفير عن طلب الدنيا الدنية الفانية {وَلَا يَسْأَلْكُمْ} الله سبحانه وتعالى {أَمْوَالَكُمْ} ؛ أي: لا يأمركم بإخراج جميع أموالكم في الزكاة، وسائر وجوه الخير، بحيث يخل أداؤها بمعاشكم؛ لأنَّ الجمع المضاف من صيغ العموم، وإنما أمركم بإخراج القليل منها: وهو ربع العشر أو العشر، تؤدونها إلى فقرائكم، فطيبوا بها نفسًا، وقيل: المعنى: لا يسألكم أموالكم، إنما يسألكم أمثاله؛ لأنه أملك لها، وهو المنعم عليكم بإعطائها، وقيل: لا يسألكم الرسول أموالكم أجرًا على تبليغ الرسالة، كما في قوله: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} . والأول أولى.
37 - {إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا} ؛ أي: إن يسأل الله سبحانه وتعالى إيّاكم أموالكم جميعًا {فَيُحْفِكُمْ} ؛ أي: يجهدكم، ويلحف عليكم بمسألة جميعها، يقال: أحفى بالمسألة، وألحف وألح بمعنى واحد، والإحفاء: الاستقصاء في الكلام، ومنه إحفاء الشارب؛ أي: استئصاله؛ أي: إزالته من أصله.
وجواب الشرط قوله: {تَبْخَلُوا} بها، فلا تعطوا؛ أي: إن يأمركم بإخراج جميع أموالكم .. تبخلوا بها، وتمتنعوا من الامتثال {وَيُخْرِجْ} الله سبحانه، ويعضده القراءة بنون العظمة، أو البخل؛ لأنّه سبب الإضغان {أَضْغَانَكُمْ} ؛ أي: أحقادكم معطوف على جواب الشرط، قال في"عين المعاني"؛ أي: يظهر أضغانكم عند الامتناع، وقيل: ويخرج ما في قلوبكم من حبّ المال، وهذه المرتبة لمن يوقى شح نفسه.