أما الحديث في الشطر الثاني والأخير حتى ختام السورة فهو خطاب للمؤمنين ، يدعوهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس وبالمال ، دون تراخ أو دعوة إلى مهادنة الكفر المعتدي الظالم ، تحت أي مؤثر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة. ودون بخل بالمال الذي لا يكلفهم الله أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة ، مراعياً الشح الفطري في النفوس! وإن لا ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة فإن الله يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها ، ويستبدل بهم قوماً غيرهم ينهضون بتكاليفها ، ويعرفون قدرها. وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جو السورة ، كما يشي بأنه كان علاجاً لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين إذ ذاك - من غير المنافقين - وذلك إلى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات. فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء. وكان القرآن يعالج ويربي لينهض بالمتخلفين إلى المستوى العالي الكريم..
{إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ، وشاقوا الرسول - من بعد ما تبين لهم الهدى - لن يضروا الله شيئاً ، وسيحبط أعمالهم} ..
إنه قرار من الله مؤكد ، ووعد منه واقع: أن الذين كفروا ، ووقفوا في وجه الحق أن يبلغ إلى الناس ؛ وصدوا الناس عنه بالقوة أو المال أو الخداع أو أية وسيلة من الوسائل ، وشاقوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته بإعلان الحرب عليه ، والمخالفة عن طريقه ، والوقوف في غير صفه. أو بعد وفاته بمحاربة دينه وشريعته ومنهجه والمتبعين لسنته والقائمين على دعوته. وذلك {من بعد ما تبين لهم الهدى} .. وعرفوا أنه الحق ؛ ولكنهم اتبعوا الهوى ، وجمح بهم العناد ، وأعماهم الغرض ، وقادتهم المصلحة العاجلة..