{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ} أي: أعرضتم عن تنزيل الله تعالى ، وفارقتم أحكام كتابه ، وما جاء به رسوله: {أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} أي: بالتغاور والتناهب: {وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} أي: تعودوا لما كنتم عليه في جاهليتكم من التشتت والتفرق ، بعد ما جمعكم الله بالإسلام ، وألف به بين قلوبكم ، وأمركم بالإصلاح في الأرض ، وصلة الأرحام . وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال ، وبذل الأموال . وقد ساق ابن كثير هنا من الأحاديث في صلة الرحم لباب اللباب .
{أُوْلَئِكَ} إشارة إلى المذكورين: {الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ} أي: عن استماع الحق لتصامهم عنه بسوء اختيارهم: {وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} أي: لتعاميهم عما يشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس ، والآفاق .
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} قال ابن جرير: أي: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في أي: القرآن الذي أنزله على نبيه عليه السلام ، ويتفكرون في حججه التي بينها لهم في تنزيله ، فيعلموا بها خطأ ما هم عليه مقيمون {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} أي: فلا يصل إليها ذكر ، ولا ينكشف لها أمر . وتنكير القلوب للإشعار بفرط جهالتها ونُكرها ، كأنها مبهمة منكورة . والأقفال مجاز عما يمنع الوصول . وإضافتها إلى القلوب لإفادة الاختصاص المميز لها عما عداها ، وللإشارة إلى أنها لا تشبه الأقفال المعروفة ؛ إذ لا يمكن فتحها أبداً .