وقوله تعالى: {فهل عسيتم} فيه التفات عن الغيبة ، أي: لعلكم {إن توليتم} أي: أعرضتم عن الإيمان والجهاد {أن تفسدوا} أي: توقعوا الإفساد العظيم الذي يستمر تجدّده {في الأرض} بالمعصية والبغي وسفك الدماء الذي يسخط الله تعالى ، ويغضبه أشدّ غضب على فاعله ، وتكونوا في غاية الجراءة عليه وترجعوا إلى الفرقة بعدما جمعكم الله بالإسلام. وقرأ نافع بكسر السين والباقون بفتحها {وتقطعوا} أي: تقطيعاً كثيراً {أرحامكم} أي: تعودوا إلى أمر الجاهلية في الإغارة من بعض على بعض وغير ذلك ، قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن ، وقال بعضهم: هو من الولاية. قال الفراء: يقول فهل عسيتم إن توليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم نزلت في بني أمية وبني هاشم.
{أولئك} أي: المفسدون {الذين لعنهم الله} أي: طردهم أشدّ الطرد الملك الأعظم لما ذكر من إفسادهم وتقطيعهم ، ثم سبب عن لعنهم قوله تعالى {فأصمهم} أي: عن الانتفاع بما سمعوه {وأعمى أبصارهم} أي عن الانتفاع بما يبصرون فليس سماعهم سماع إدراك ، ولا إبصارهم إبصار اعتبار ، فلا سماع ولا إبصار.
{أفلا يتدبرون} بقلوب منفتحة منشرحة ليهتدوا إلى كل خير {القرآن} أي: يجهدوا أنفسهم في أن يتفكروا في الكتاب الجامع لكل خير ، الفارق بين الحق والباطل ، حتى لا يجسروا على المعاصي
فإن قيل قال تعالى: {فأصمهم وأعمى أبصارهم} فكيف يمكنهم التدبر في القرآن؟ وهو كقول القائل للأعمى: أبصر وللأصم اسمع ، أجيب بثلاثة أوجه مترتبة بعضها أحسن من بعض ؛ الأول: تكليف ما لا يطاق جائز. والله تعالى أمر من علم منه بأنه لا يؤمن أن يؤمن فلذلك جاز أن يصمهم ، ويعميهم ، ويذمهم على ترك التدبر.
الثاني: أن قوله {أفلا يتدبرون القرآن} المراد منه الناس.