وقد قضت مشيئة الله في خلقة الإنسان ذلك. واقتضت أنه حين يغفل قلبه عن ذكر الله يجد الشيطان طريقه إليه ، فيلزمه ، ويصبح له قرين سوء يوسوس له ، ويزين له السوء. وهذا الشرط وجوابه هنا في الآية يعبران عن هذه المشيئة الكلية الثابتة ، التي تتحقق معها النتيجة بمجرد تحقق السبب ، كما قضاه الله في علمه.
ووظيفة قرناء السوء من الشياطين أن يصدوا قرناءهم عن سبيل الله ، بينما هؤلاء يحسبون أنهم مهتدون:
{وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} ..
وهذا أسوأ ما يصنعه قرين بقرين. أن يصده عن السبيل الواحدة القاصدة ؛ ثم لا يدعه يفيق ، أو يتبين الضلال فيثوب ؛ إنما يوهمه أنه سائر في الطريق القاصد القويم! حتى يصطدم بالمصير الأليم.
والتعبير بالفعل المضارع: {ليصدونهم} .. {ويحسبون} .. يصور العملية قائمة مستمرة معروضة للأنظار ؛ يراها الآخرون ، ولا يراها الضالون السائرون إلى الفخ وهم لا يشعرون.
ثم تفاجئهم النهاية وهم سادرون:
{حتى إذا جاءنا قال: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين. فبئس القرين} !
وهكذا ننتقل في ومضة من هذه الدنيا إلى الآخرة.
ويطوى شريط الحياة السادرة ، ويصل العمي (الذين يعشون عن ذكر الرحمن) إلى نهاية المطاف فجأة على غير انتظار. هنا يفيقون كما يفيق المخمور ، ويفتحون أعينهم بعد العشى والكلال ؛ وينظر الواحد منهم إلى قرين السوء الذي زين له الضلال ، وأوهمه أنه الهدى! وقاده في طريق الهلاك ، وهو يلوح له بالسلامة! ينظر إليه في حنق يقول: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين} ! يا ليته لم يكن بيننا لقاء. على هذا البعد السحيق!
ويعقب القرآن على حكاية قول القرين الهالك للقرين بقوله: {فبئس القرين} !
ونسمع كلمة التيئيس الساحقة لهذا وذاك عند إسدال الستار على الجميع:
{ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} !
فالعذاب كامل لا تخففه الشركة ، ولا يتقاسمه الشركاء فيهون!