ويبدو من حديث إبراهيم عليه السلام وتبرئه مما يعبدون إلا الذي فطره أنهم لم يكونوا يكفرون ويجحدون وجود الله أصلاً ؛ إنما كانوا يشركون به ويعبدون معه سواه ، فتبرأ من كل ما يعبدون ، واستثنى الله ؛ ووصفه بصفته التي تستحق العبادة ابتداء ، وهو أنه فطره وأنشأه ، فهو الحقيق بالعبادة بحكم أنه الموجد. وقرر يقينه بهداية ربه له ، بحكم أنه هو الذي فطره ؛ فقد فطره ليهديه ؛ وهو أعلم كيف يهديه.
قال إبراهيم هذه الكلمة التي تقوم بها الحياة. كلمة التوحيد التي يشهد بها الوجود. قالها:
{وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} ..
ولقد كان لإبراهيم عليه السلام أكبر قسط في إقرار هذه الكلمة في الأرض ، وإبلاغها إلى الأجيال من بعده ، عن طريق ذريته وعقبه. ولقد قام بها من بنيه رسل ، كان منهم ثلاثة من أولي العزم: موسى وعيسى ومحمد خاتم الرسل عليهم صلوات الله وسلامه واليوم بعد عشرات القرون يقوم في الأرض أكثر من ألف مليون ، من أتباع الديانات الكبرى يدينون بكلمة التوحيد لأبيهم إبراهيم ، الذي جعل هذه الكلمة باقية في عقبه ، يضل منهم عنها من يضل ، ولكنها هي باقية لا تضيع ، ثابتة لا تتزعزع ، واضحة لا يتلبس بها الباطل {لعلهم يرجعون} .. يرجعون إلى الذي فطرهم فيعرفوه ويعبدوه. ويرجعون إلى الحق الواحد فيدركوه ويلزموه.