وأما إبطاله لقول من قال: إن المعنى إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين له والمكذبين لكم في ذلك ، فهو إبطال صحيح ، وكلامه فيه في غاية الحسن والدقة ، وهو يقتضي إبطاله بنفسه ، لجميع ما كان يقرره في الآية الكريمة.
والحاصل أن كون معنى إن في الآية الكريمة هو النفي لا إشكال فيه ، ولا محذور ولا إيهام ، وأن الآيات القرآنية تشهد له لكثرة الآيات المطابقة لهذا المعنى في القرآن.
وأما كون معنى الآية الشرط والجزاء فلا يصح له معنى ، غير محذور في اللغة ، وليس له في كتاب الله نظير ، لإجماع أهل اللسان العربي على اختلاف المعنى في التعليق بإن ، والتعليق بلو.
لأن التعليق بلو يدل على عدم الشرط ، وعدم الشرط استلزم عدم المشروط بخلاف إن.
فالتعليق بها يدل على الشك في وجود الشرط بلا نزاع.
وما خرج عن ذلك من التعليق بها مع العلم بوجود الشرط أو العلم بنفيه ، فلأسباب أخر ، وأدلة خارجة ، ولا يجوز حملها على أحد أمرين المذكورين ، إلا بدليل منفصل كما أوضحناه ، في غير هذا الموضع.
تنبيه
اعلم أن ما ذكرنا من أن لو تقتضي الشك فيه ، لا يرد عليه قوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} [يونس: 94] الآية. كما أشرنا له قريباً.
لأن التحقيق أن الخطاب في قوله: (إن كنت في شك) خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد به من يمكن أن يشك في ذلك من أمته.
وقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها آخَرَ} [الإسراء: 22] الآية. دلالة القرآن الصريحة على أنه صلى الله عليه وسلم يتوجه إليه الخطاب من الله ، والمراد به التشريع لأمته ، ولا يراد هو صلى الله عليه وسلم ألبتة بذلك الخطاب.