وقدمنا هناك أن من أصرح الآيات القرآنية في ذلك قوله تعالى {وبالوالدين إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} [الإسراء: 23] الآية ، فالتحقيق أن الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد أمته لا هو نفسه ، لأنه هو المشرع لهم بأمر الله.
وإيضاح ذلك أو معنى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر} أي إن يبلغ عندك الكبر يا نبي الله والداك أو أحدهما فلا تقل لهما أف.
ومعلوم أن أباه مات وهو حمل ، وأمه ماتت وهو في صباه فلا يمكن أن يكون المراد: إن يبلغ الكبر عندك هما أو أحدهما والواقع أنهما قد ماتا قبل ذلك بأزمان.
وبذلك يتحقق أن المراد بالخطاب من غيره من أمته الذي يمكن إدراك والديه أو أحدهما الكبر عنده.
وقد قدمنا أن مثل هذا أسلوب عربي معروف وأوردنا شاهداً لذلك رجز سهل بن مالك الفزاري في قوله:
يا أخت خير البدو والحضاره... كيف ترين في فتى فزاره
أصبح يهوى حرة معطاره... إياك أعني واسمعي يا جاره
وقد بسطنا القصة هناك ، وبينا أن قول من قال: إن الخطاب في قوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا} [الإسراء: 23] الآية: لكل من يصح خطابه من أمته ، صلى الله عليه وسلم لا له هو نفسه ، باطل بدليل قوله تعالى بعده في سياق الآيات:
{ذَلِكَ مِمَّآ أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة} [الإسراء: 39] الآية.