ولمن قال بوجوب الإيمان عقلًا أن يقول: إنما وبخوهم بالكفر بعد التبليغ؛ لأنه أبعد عن الاعتذار وأحق بالتوبيخ والأنكار، ولأن معرفة الله تجب أولًا بالعقل، ثم يتلوها الإيمان برسله {قَالُوا بَلَى} أي: قال الكافرون مقرين معترفين: قد أتانا رسل ربنا، وتلوا علينا آيات ربنا وأنذرونا لقاء يومنا هذا {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي: وجبت وثبتت كلمة الله - تعالى - المقتضية للعذاب على الكافرين. وهذا الكلام منهم اعتراف لا اعتذار، والمراد بكلمة العذاب: كلام الله الذي حكم عليهم بالشقاوة، وأنهم من أهل النار لسوء اختيارهم، أو قوله تعالى لإبليس: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} . ووضع الكافرين موضع ضميرهم للايماء إلى عِلِّيَّة استحقاقهم العذاب، والزُّمَر جمع زمرة وهي الجماعة كما تقدم في المفردات.
72 - {قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} :
أي: قيل لهم يوم القيامة: ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، أي: ماكثين فيها لا خروج
لكم منها ولا زوال لكم عنها، والقائل يحتمل أن يكون الخزنة، وترك ذكرهم للعلم بهم ممَّا قيل، ويحتمل أن يكون غيرهم، ولم يذكر، لأن المقصود ذكر هذا القول الذي يبعث في النفوس الخوف والرعب من غير نظر إلى قائله، وقال بعض الأجلة: أبهم القائل لتهويل المقول {فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} أي: قَبُحَ وساء مكان الكافرين جهنم لتكبرهم، وفي التعبير بالمتكبرين إيماء إلى أن دخولهم النار لتكبرهم عن قبول الحق والانقياد للرسل المنذرين لهم - عليهم الصلاة والسلام - وهو في معنى التعليل بالكفر، لأنه سبب كفرهم، ولا ينافى التعليل قبل ذلك بثبوت كلمة العذاب عليهم؛ لأن حكمه وقضاءه عليهم بدخول النار بسبب تكبرهم وكفرهم لسوء اختيارهم المعلوم له - سبحانه - في الأزل، وكذا قوله - عَزَّ وَجَلَّ: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ... الآية} . فهناك سببان قريب وبعيد والتعليل بأحدهما لا ينافى التعليل بآخر.