بدأت الآية الكريمة تفصيل توفية كل نفس ما عملت بيانًا لكيفيتها، ويخبر الله فيها عن حال الكفار وكيف يساقون إلى النار، والسُّوق يقتضي الحث على المسير بعنف وإزعاج، وهو الغالب، ويشعر بالإهانة وهو المراد هنا، أي: سيقوا إليها بالعنف والإهانة أفواجًا متفرقة متتابعة بعضها في أثَر بعض مرتبة حسب ترتيب طبقاتهم في الضلال والكفر والفساد: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} ليدخلوها، وكانت قبل مجيئهم غير مفتوحة، فهي كسائر أبواب السجون، لا تزال مغلقة حتى يأتي أصحاب الجرائم الذين يسجنون فيها،
فتفتح ليدخلوها، فإذا دخلوها أغلقت عليهم {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} أي: وقال لهم حراسها وزبانيتها الغلاظ الشداد على سبيل التقريع والتوبيخ والتنكيل: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} ؟ سفراء عن الله من نوعكم تفهمون ما ينبئونكم به، ويسهل عليكم مراجعتهم والأخذ عنهم {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} أي: يقرءون عليكم آيات ربكم المنزلة لمصلحتكم في القرآن وغيره، ويقيمون عليكم الحجج والبراهين الدالة على صحة ما دعوكم إليه وأمروكم به ونهوكم عنه {وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} ويخوفونكم ويحذرونكم لقاء عذاب يومكم هذا، وهو وقت دخولكم النار؛ لأن المنذر به في الحقيقة العذاب ووقته.
وقد شاع استعمال اليوم والأيام في أوقات الشدة والمحنة، وقيل: المراد يه يوم القيامة لاشتماله على هذا الوقت.
واستدل بالآية على أنه لا تكليف قبل الشرع؛ لأنهم وبّخوهم بكفرهم بعد تبليغ الرسل للشرائع وإنذارهم، ولو كان قبح الكفر معلومًا بالعقل دون الشرع لقيل: ألم تعلموا بما أودع الله فيكم من العقل قبح كفركم، ولا وجه لتفسير الرسل بالعقول لإباء الأفعال المسندة إليها عن ذلك.