{وما قدروا الله حق قدره} وهم يشركون به وهو وحده المعبود القادر القاهر {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} .. وبمناسبة تصوير هذه الحقيقة على هذا النحو يوم القيامة يعرض مشهداً فريداً من مشاهد القيامة ، ينتهي بموقف الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ، وينطق الوجود كله بحمده: {وقيل الحمد لله رب العالمين} .. فتكون هذه هي كلمة الفصل في حقيقة التوحيد.
{الله خالق كل شيء ، وهو على كل شيء وكيل. له مقاليد السماوات والأرض. والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون} ..
إنها الحقيقة التي ينطق بها كل شيء. فما يملك أحد أن يدعي أنه خلق شيئاً. وما يملك عقل أن يزعم أن هذا الوجود وجد من غير مبدع. وكل ما فيه ينطق بالقصد والتدبير ؛ وليس أمر من أموره متروكاً لقى أو للمصادفة من الصغير إلى الكبير: {وهو على كل شيء وكيل} .. وإلى الله قياد السماوات والأرض. فهو يصرفها وفق ما يريد ؛ وهي تسير وفق نظامه الذي قدره ؛ وما تتدخل إرادة غير إرادته في تصريفها ، على ما تشهد الفطرة ، وينطق الواقع ، ويقر العقل والضمير.
{والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون} ..
خسروا الإدراك الذي يجعل حياتهم في الأرض متسقة مع حياة الكون كله ؛ وخسروا راحة الهدى وجمال الإيمان وطمأنينة الاعتقاد وحلاوة اليقين. وخسروا في الآخرة أنفسهم وأهليهم. فهم الخاسرون الذين ينطبق عليهم لفظ {الخاسرون} !
وعلى ضوء هذه الحقيقة التي تنطق بها السماوات والأرض ، ويشهد بها كل شيء في الوجود ، يلقن الرسول صلى الله عليه وسلم استنكار ما يعرضونه عليه من مشاركتهم عبادة آلهتهم في مقابل أن يعبدوا معه إلهه. كأن الأمر أمر صفقة يساوم عليها في السوق!
{قل: أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون؟} ..
وهو الاستنكار الذي تصرخ به الفطرة في وجه هذا العرض السخيف الذي ينبئ عن الجهل المطلق المطبق المطموس.