يعلم الله سبحانه عن هذا المخلوق كل هذا فيمد له في العون ؛ ويوسع له في الرحمة ؛ ولا يأخذه بمعصيته حتى يهيء له جميع الوسائل ليصلح خطأه ويقيم خطاه على الصراط. وبعد أن يلج في المعصية ، ويسرف في الذنب ، ويحسب أنه قد طرد وانتهى أمره ، ولم يعد يقبل ولا يستقبل. في هذه اللحظة لحظة اليأس والقنوط ، يسمع نداء الرحمة الندي اللطيف:
{قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. إن الله يغفر الذنوب جميعاً. إنه هو الغفور الرحيم} ..
وليس بينه وقد أسرف في المعصية ، ولج في الذنب ، وأبق عن الحمى ، وشرد عن الطريق ليس بينه وبين الرحمة الندية الرخية ، وظلالها السمحة المحيية. ليس بينه وبين هذا كله إلا التوبة. التوبة وحدها. الأوبة إلى الباب المفتوح الذي ليس عليه بواب يمنع ، والذي لا يحتاج من يلج فيه إلى استئذان:
وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون.
اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)
هذا القطاع الأخير في السورة ، يعرض حقيقة التوحيد من جانب وحدانية الخالق الذي خلق كل شيء ، المالك المتصرف في كل شيء. فتبدو دعوة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم إلى مشاركتهم عبادة آلهتهم في مقابل أن يشاركوه عبادة إلهه! تبدو هذه الدعوة مستغربة ، والله هو خالق كل شيء ، وهو المتصرف في ملكوت السماوات والأرض بلا شريك. فأنى يعبد معه غيره ، وله وحده مقاليد السماوات والأرض؟!