الأمر الأول: أن يكون هذا الرياء خاطرا ثم دفعه الإنسان ولم يسكن إليه، وأعرض عنه وكرهه، فإنه لا يضره بغير خلاف، لقوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا" (39) .
الأمر الثاني: أن يسترسل معه الرياء ويطمئن إليه ولا يدافعه ويحبه فتبطل جميع العبادة على الصحيح؛ لأن أولها مرتبط بآخرها، مثال ذلك من ابتدأ الصلاة مخلصا بها لله تعالى ثم طرأ عليه الرياء في الركعة الثانية واسترسل معه إلى نهاية صلاته، ولم يدافعه فتبطل الصلاة كلها لارتباط أولها بآخرها (40) .
4 -أن يكون الرياء بعد الانتهاء من العبادة (41) .
وأما إذا عمل المسلم العمل لله خالصا ثم ألقى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك لم يضره ذلك، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ثم يحمده الناس عليه، فقال:"تلك عاجل بشرى المؤمن" (42) .
المطلب السادس: أسباب الرياء ودوافعه:
أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، ومن غلب على قلبه حب هذا صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفا بالتردد إليهم، والمراءاة لهم ولا يزال في أقواله وأفعاله وتصرفاته ملتفتا إلى كل ما يعظم منزلته عند الناس، وهذا أصل الداء والبلاء، فإن من رغب في ذلك احتاج إلى الرياء في العبادات، واقتحام المحظورات. وهذا باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله، العارفون به، المحبون له.
وإذا فصل هذا السبب والمرض الفتاك رجع إلى ثلاثة أصول:
1 -حب لذة الحمد والثناء والمدح.
2 -الفرار من الذم.
3 -الطمع فيما في أيدي الناس (43) .
ويشهد لهذا ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ قال صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (44) .