الثَّالِثُ: {أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَيْهِ فِي مَوَارِيثَ دَرَسَتْ ، فَقَالَ: اذْهَبَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ وَاسْتَهِمَا ، وَلْيُحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ} فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ مَوَاطِنَ ، وَهِيَ الْقَسَمُ فِي النِّكَاحِ ، وَالْعِتْقُ ، وَالْقِسْمَةُ ، وَجَرَيَانُ الْقُرْعَةِ فِيهَا لِرَفْعِ الْإِشْكَالِ وَحَسْمِ دَاءِ التَّشَهِّي.
وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْقُرْعَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ عِنْدَ الْغَزْوِ عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا الِاقْتِرَاعُ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّفَرَ بِجَمِيعِهِنَّ لَا يُمْكِنُ ، وَاخْتِيَارُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إيثَارٌ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقُرْعَةُ.
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ فَإِنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ ثُلُثٌ ، وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، وَتَعْيِينُهُمَا بِالتَّشَهِّي لَا يَجُوزُ شَرْعًا ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا
الْقُرْعَةُ.
وَكَذَلِكَ التَّشَاجُرُ إذَا وَقَعَ فِي أَعْيَانِ الْمَوَارِيثِ لَمْ يُمَيِّزْ الْحَقَّ إلَّا الْقُرْعَةُ ، فَصَارَتْ أَصْلًا فِي تَعْيِينِ الْمُسْتَحَقِّ إذَا أَشْكَلَ.
وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنْ تَجْرِيَ فِي كُلِّ مُشْكِلٍ ، فَذَلِكَ أَبْيَنُ لَهَا ، وَأَقْوَى لِفَصْلِ الْحُكْمِ فِيهَا ، وَأَجْلَى لِرَفْعِ الْإِشْكَالِ عَنْهَا ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إنَّ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الطَّلَاقِ كَالْقُرْعَةِ بَيْنَ الْإِمَاءِ فِي الْعِتْقِ ؛ وَتَفْصِيلُ الِاقْتِرَاعِ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.