اللَّطِيفَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ فَأَبَيْنَ أَنْ يَقْبَلْنَهَا وَقَبِلَهَا الْإِنْسَانُ، وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ افْعَلْ هَذَا الْفِعْلَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْفِعْلِ تَعَبٌ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ فَإِذَا فَعَلَهُ لَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً فَقَالَ تَعَالَى: (وَحَمَلَهَا) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مِمَّا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مُجَرَّدِ حَمْلِ الْأَمَانَةِ، وَإِمَّا عَلَى رِعَايَتِهَا حَقَّ الرِّعَايَةِ فَيَسْتَحِقُّ الزِّيَادَةَ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَالْكُلُّ حَمَلُوهَا، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْكَافِرَ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى الْحَمْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّ الْأَجْرَ عَلَى الْحَمْلِ فَنَقُولُ الْفِعْلُ إِذَا كَانَ عَلَى وَفْقِ الْإِذْنِ مِنَ الْمَالِكِ الْآمِرِ يَسْتَحِقُّ الْفَاعِلُ الْأُجْرَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ احْمِلْ هَذَا إِلَى الضَّيْعَةِ الَّتِي عَلَى الشِّمَالِ فَحَمَلَ وَنَقَلَهَا إِلَى الضَّيْعَةِ الَّتِي عَلَى الْجَنُوبِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَيَلْزَمُهُ رَدُّهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ كَذَلِكَ الْكَافِرُ حَمَلَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْإِذْنِ فَغَرِمَ وَزَالَتْ حَسَنَاتُهُ الَّتِي عملها بسببه.
(لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(73)
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لِمَ قَدَّمَ التَّعْذِيبَ عَلَى التَّوْبَةِ؟
نَقُولُ لَمَّا سَمَّى التَّكْلِيفَ أَمَانَةً وَالْأَمَانَةُ مِنْ حُكْمِهَا اللَّازِمِ أَنَّ الْخَائِنَ يَضْمَنُ وَلَيْسَ مِنْ حُكْمِهَا اللَّازِمِ أَنَّ الْأَمِينَ الْبَاذِلَ جُهْدَهُ يَسْتَفِيدُ أُجْرَةً فَكَانَ التَّعْذِيبُ عَلَى الْخِيَانَةِ كَاللَّازِمِ وَالْأَجْرُ عَلَى الْحِفْظِ إِحْسَانٌ وَالْعَدْلُ قَبْلَ الْإِحْسَانِ.
وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: