فكان جَعْل الآجال لبقاء المخلوقات من جملة الحق الذي خُلقت ملابِسةً له ، ولذلك نُبّه عليه بخصوصه اهتماماً بشأنه ، وتنبيهاً على مكانه ، وإظهاراً أنه المقصدُ بكيانه ، فعطفه على الحق للاهتمام به ، كما عطف ضده على الباطل ، في قوله {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115] فقال أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى.
وقد مضى في سورة الأنعام (73) قوله {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق} الآية.
وفائدة ذكر السماوات هنا أنّ في أحوال السماوات من شمسها وكواكبها وملائكتها ما هو من جملة الحق الذي خلقت ملابسة له ، أما ما وراء ذلك من أحوالها التي لا نَعرف نسبة تعلقها بهذا العالم ، فنَكِلُ أمره إلى الله ونقيسُ غائبه على الشاهد ، فنُوقنُ بأنه ما خُلق إلا بالحق كذلك.
فشواهد حقيَّة البعث والجزاء بادية في دقائق خلق المخلوقات ، ولذلك أعقبه بقوله وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون ، وهذا كقوله تعالى {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون} [المؤمنون: 115] .
والمسمَّى: المقدَّر.
أطلقت التسمية على التقدير ، وقد تقدم عند قوله تعالى: {ونُقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمّى} في سورة الحج (5) .
وعند قوله تعالى {ولولا أجل مسمّى لجاءهم العذاب} في سورة العنكبوت (53) .
وجملة وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون تذييل.
وتأكيده بـ {إن} لتنزيل السامع منزلة من يشك في وجود من يجحد لقاء الله بعد هذا الدليل الذي مضى بَلْهَ أن يكون الكافرون به كثيراً.
والمراد بالكثير هنا: مشركو أهل مكة وبقية مشركي العرب المنكرين للبعث ومن ماثلهم من الدهريين.
ولم يعبر هنا بـ {أكثر الناس} [العنكبوت: 60] لأن المثبتين للبعث كثيرون مثل أهل الكتاب والصابئة والمجوس والقبط.