قرأ الجمهور: {سيغلبون} مبنياً للفاعل ، وقرأ علي وأبو سعيد ومعاوية بن قرّة وابن عمر ، وأهل الشام على البناء للمفعول ، وسيأتي في آخر البحث ما يقوّي قراءة الجمهور في الموضعين.
وقرأ أبو حيوة الشامي وابن السميفع:"من بعد غلبهم"بسكون اللام.
{فِي بِضْعِ سِنِينَ} متعلق بما قبله ، وقد تقدّم تفسير البضع واشتقاقه في سورة يوسف ، والمراد به هنا ما بين الثلاثة إلى العشرة {لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} أي هو المنفرد بالقدرة وإنقاذ الأحكام وقت مغلوبيتهم ووقت غالبيتهم ، فكلّ ذلك بأمر الله سبحانه وقضائه ، قرأ الجمهور: {من قبل ومن بعد} بضمهما لكونهما مقطوعين عن الإضافة ، والتقدير: من قبل الغلب ومن بعده ، أو من قبل كل أمر ومن بعده.
وحكى الكسائي"من قبل ومن بعدُ"بكسر الأوّل منوّناً وضم الثاني بلا تنوين.
وحكى الفراء"من قبلِ ومن بعدِ"بكسرهما من غير تنوين ، وغلطه النحاس.
قال شهاب الدين: قد قرئ بكسرهما منوّنين.
قال الزجاج: ومعنى الآية: من متقدّم ومن متأخر {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون * بِنَصْرِ الله} أي يوم أن تغلب الروم على فارس في بضع سنين يفرح المؤمنون بنصر الله للروم لكونهم أهل كتاب كما أن المسلمين أهل كتاب ، بخلاف فارس فإنه لا كتاب لهم ، ولهذا سرّ المشركون بنصرهم على الروم.
وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم على فارس ، والأوّل أولى.
قال الزجاج: وهذه الآية من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله لأنه إنباء بما سيكون ، وهذا لا يعلمه إلاّ الله سبحانه {يَنصُرُ مَن يَشَاء} أن ينصره {وَهُوَ العزيز} الغالب القاهر {الرحيم} الكثير الرحمة لعباده المؤمنين.
وقيل: المراد بالرحمة هنا: الدنيوية ، وهي شاملة للمسلم والكافر.