ثم جاءت النبوءة الصادقة الخاصة بغلبة الروم في بضع سنين .... وأضاف رواية عبدالله بن مسعود * رضي الله عنه * مؤكدا أن هذا الحادث قد وردت فيه روايات كثيرة , تتفق كلها في المعني والدلالة , وتختلف في الألفاظ وطرائق التعبير . وجمع الكاتب * رحمه الله * من هذه الآيات القرآنية الكريمة عددا من الإيحاءات منها: الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان ; ومنها الثقة المطلقة في وعد الله كما تبدو في قولة أبي بكر * رضي الله عنه * في غير تلعثم ولا تردد , والمشركون يعجبون من قول صاحبه , فما يزيد علي أن يقول: صدق , ويراهنونه فيراهن وهو واثق , ثم يتحقق وعد الله , في الأجل الذي حدده: في بضع سنين ...
والإيحاء الثالث وهو المسارعة برد الأمر كله لله , في هذا الحادث وفي سواه , وتقرير هذه الحقيقة الكلية , لتكون ميزان الموقف , وميزان كل موقف , فالنصر والهزيمة , وظهور الدول ودثورها , وقوتها وضعفها , شأنه شأن سائر ما يقع في هذا الكون من أحداث ومن أحوال , مرده كله إلي الله ... وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ما نصه: احتربت الفرس والروم فيما بين أذرعات وبصري من أرض الروم يومئذ , وهما أقرب أراضيها بالنسبة إلي مكة , وكان ذلك قبل الهجرة بخمس سنين , وقيل بست . فظهر الفرس علي الروم , فلما بلغ الخبر مكة شق علي المؤمنين , لأن الفرس مجوس لا يدينون بكتاب , والروم أهل كتاب ; وفرح المشركون وقالوا: أنتم والنصاري أهل كتاب , ونحن والفرس أميون , وقد ظهر إخواننا علي إخوانكم , ولنظهرن نحن عليكم , فنزلت الآية وفيها: أن الروم سيغلبون الفرس في بضع سنين . والبضع: ما بين الثلاث إلي التسع و* غلبهم * كونهم مغلوبين .