الإيضاح
(الم) تقدم فِي السورة قبلها ما فيه الكفاية من الكلام فِي أمثال هذه الحروف فِي أوائل السور ، وقد بينا هناك أنه ينطق بأسمائها فيقال (ألف. لام. ميم) .
(غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ) أي غلبت فارس الروم فِي أقرب أرض الروم بالنسبة إلى بلاد العرب ، إذ الوقعة كانت بين الأردن وفلسطين ، والروم من بعد غلب فارس إياهم سيغلبون فارس فِي بضع سنين ، وقد تحقق ذلك فغلبوهم بعد سبع من الوقعة الأولى.
ولا شك أن وقوعه على نحو ما قال الكتاب الكريم بعد من أكبر الدلائل على إعجازه ، وأنه كلام اللّه العليم بكل شيء لا كلام البشر.
(لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) أي للّه الأمر من قبل غلب دولة الروم على فارس ومن بعدها ، فمن غلب فهو بأمر اللّه وقضائه وقدره كما قال: « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » فهو يقضى فِي خلقه بما يشاء ويحكم بما يريد ، ويظهر من شاء منهم على من أحب إظهاره عليه.
(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ) أي ويوم تغلب الروم فارس يفرح المؤمنون بنصر اللّه وتغليبه من له كتاب على من لا كتاب له ، وغيظ من شمتوا من كفار مكة ، وأنه سيكون فألا حسنا لغلبة المؤمنين على الكافرين.
ثم أكد قوله « لِلَّهِ الْأَمْرُ » بقوله:
(يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)
أي ينصر من يشاء أن ينصره على عدوه ويغلّبه عليه على مقتضى السنن التي وضعها فِي الخليقة ، وهو المنتقم ممن يستحقون الانتقام بالنصر عليهم ، الرحيم بعباده ، فلا يعاجلهم بالانتقام على ذنوبهم كما قال:
« وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى » .