تنتهي السورة أحبتي الكرام بآخر موضوع فيها وهو بيان عدم استقرار الدنيا على حالٍ معينة، بيان تقلبها بأهلها حتى لا يطمئن إليها أحد، إنما يطمئن إلى الخالق سبحانه وتعالى"اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ" [الروم: 54] ، هكذا يبين الله أن الدنيا لا تترك الناس على حال واحد، أو أن الناس في الدنيا لا يستقرون على حال واحد، إنما طبيعة هذه الحياة التقلب من قوة إلى ضعف، من ضعف إلى قوة إلى كذا، إلى مال إلى فقر إلى صحة إلى مرض إلى .. إلى، كما قال تعالى في آية أخرى"لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ"، الآن أنتم فوق كان كفار مكة في العهد المكي هم أصحاب السلطة في مكة، أصحاب القوة يقهرون المسلمين ويعذبونهم، بعد سنواتٍ قليلة بعد ثلاثة عشر عاماً هاجر المسلمون إلى المدينة وهناك التقوا مع الكافرين في غزوة بدر فأعلى الله تعالى ورفع المؤمنين به وهزم وخذل وقتل المشركين"فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى" [الأنفال: 17] ، والدنيا مع تقلبها فهي لا تبقى بل هي سريعة جداً، بعدها مباشرةً بعد هذه الآية"وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ" [الروم: 55] الساعة تقوم بسرعة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام"الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك" [9] ، والجنة والنار في الآخرة أقرب إلى أحدكم من رباط الحذاء، يعني ربما كان نصف القدم في الجنة اللهم آمين أو نصفها في النار والعياذ بالله رب العالمين، الآخرة قريةٌ جداً لذلك حينما يبعث المجرمون يوم القيامة ويذكرون دنياهم وما كان فيها يتخيلون أنها كانت ساعة من الساعات، لدرجة أنهم يقسمون ويحلفون، الأمر شبه يقين عندهم، ما شعروا بطول الدنيا وهي ربما بلغت مائة عام أو زادت أو نقصت قليلاً"يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا"أي ما بقوا في الدنيا"غَيْرَ سَاعَةٍ"، كما قال تعالى"كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا"