ثم أخبر عن جواب قوم إبراهيم له بغير الصواب بقوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} [العنكبوت: 24] يشير إلى أن من شأن إبراهيم الروح أن يدعو تمرود النفس وقومه أي: صفاتها إلى الله ونهاهم عن عبادة الأوثان من الهوى والدنيا وما سوى الله، وأن من شأن نمرود النفس الأمارة بالسوء وصفاتها أن يجيبوه من لوم طبعهم وغاية سفههم بقولهم: {اقْتُلُوهُ} بسيف الكفر والشرك وترك عبادة الله ولزوم عبادة غير الله، {أَوْ حَرِّقُوهُ} بنار الشهوات والأخلاق الذميمة، فإن هاتين الحالتين أسباب هلاكه مودعة فأوقدوا عليه نار الشهوات والأخلاق الذميمة {فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ} [العنكبوت: 24] وجعلها عليه برداً وسلاماً إذ أخلص جوهر الروحية من حرقة نار الشهوات والأخلاق، ومتعه بالخصائص المودعة فيها مما لم يكن في جِبلة الروح مركوزاً وكان به محتاجاً في سيره، ولهذه الاستفادة بعث إلى أسفل سافلين القالب {إِنَّ فِي ذلك} [العنكبوت: 24] أي: في قصة إبراهيم وقومه {لآيَاتٍ} [العنكبوت: 24] لعبرة {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 24] بحقائق القرآن وأسراره وأن له ظهراً وبطناً.