ثم أخبر عن ابتلاء أهل الولاية بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ} [العنكبوت: 14] إلى قوله: {إِنَّ ذلك عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [العنكبوت: 19] يشير إلى أنه تعالى كما بدأ الخلق بإخراجهم عن العدم إلى عالم الأرواح، ثم أهبطهم من عالم الأرواح غلى عالم الأشباح عابرين على الملكوت والنفوس السماوية والأفلاك والأنجم والفلك الأثير والهواء والبحار وكرة الأرض، ثم على المركبات والمعادن والنبات والحيوان إلى أن يبلغ أسفل سافلين الموجودات وهو القالب الإنساني، كما قال تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5] أي: بتقدير النفخة الخاصة كما قال: {وَنَفَخْتُ فِيهِ} [الحجر: 29] فكذلك نعيده بجذبات العناية إلى الحضرة راجعاً من حيث هبط عابراً على المنازل والمقامات التي كانت على قمره بقطع تعلق نظره إلى خواص هذه المنازل، وترك الانتفاع بها فإنها حال العبودية على هذه المنازل استعاد خواصها وبعض أجزائها منها لاستكمال الوجود الإنساني روحانياً جسمانياً، فصار محجوباً عن الحضرة فعند رجوعه إلى الحضرة بجذبة (ارجعي) يرد من كل منزل ما استعاد منه، فإن العارية مردودة إلى أن يعاد إلى العدم بلا أنانية بتصرف جبة العناية {إِنَّ ذلك عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} أي: على العبد العود إلى الله بلا جذبة العناية عسير غير ممكن.
وهذا الرجوع والعود معنى قوله: {قُلْ سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ} أي: أرض الوجود الإنساني {فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} بالعبور على المنازل المذكورة من العدم كذلك الرجوع بالعبور عليها أن يعود إلى العدم {ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ} بعد انخلاعه عنه من كسوة الأنانية يلبس خلعة الهوية لاختصاصه بمنزلة الخلافة.