قوله تعالى {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} حث سبحانه العباد بالتوكل عليه والتيقن بلطيف صنعه والكرم العميم منه على جميع البرية وبان يرث العباد بما يجرى عليهم من الاقدار السابقة في الأزل ولا يكونوا مهتمين بما يستقبلون من الأيام الباقية والاعمار الماضية بجهة الرزق لأنه تعالى قدر مقادير الخلق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وما قدر في الخلق والخلق والرزق والاجل لا يتبدل بقصد القاصدين وجهد الجاهدين ألا ترى إلى الوحوش والطيور لا تدخر شيئا إلى الغد تغدوا خماصاً وتروح بطاناً لاتكالهم على الله بما وصل إلى قلوبهم من نور معرفة خالقها كيف يكون الإنسان يهتم لاجل رزقه ويدخر شيئا لغده ولا يعرف حقيقة رزقه واجله فربما ياكل ذخيرته غيره ولا يصل إلى غده لذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد إذا الارزاق مجددة كالأنفاس المجددة في كل لمحة ولذلك وصف الله سبحانه في اوايل الآية أهل التوكل والرضا بقوله الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ثم بين انه تعالى رزاق جميع ذوات الأرواح بقوله {اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} ليسقط عن القلوب اهتمام الرزق من قلوب الخصوص والعموم لاجل نفوسهم ولغيرهم لأنه سميع مقالة السائلين في طلب حوائجهم منه عليهم بما ادخره من ارزاقهم في خزائن وجوده دقيقة إشارة التوحيد أن الارزاق في أماكن العدم معدومة ولا يوجدها بالحدثان لأن ايجادها من نعوت قوت الرحمنية الأزلية ولو يحصرها بجميعها كيف تحملها الدابة واصل حقيقة الرزق مشاهدة العدم والأرواح ولا تحمل سطواتها في وقت التجلى بل الله يكسبها قوة أزلية تحمل بها منه ما عليه من كنه كشفه قال بعضهم في تفسير قوله لا تحمل رزقها قال لا تدخر شيئا لغد قال النهرجورى لا تجزعوا من التوكل فإنه عيش لأهله قال الله {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ} الآية وقال ابن عطا يرزقها بالتوكل ويرزقكم بالطلب.