قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا} افهم يا غافل أن الله سبحانه اختار أهل صفوته بالاصطفائية القدمية وخصهم بعرفان نفسه والايقان فيما بان منه لهم من أنوار الربوبية في مقام العبودية فطارت أرواحه من عالم الملكوت باجنحة أنوار الجبروت في اوايل ايجادها إلى الاكوان محصول العبودية فصحبها سنا قربه وضيا دنوه وحلاوة انسها بما رات من جلاله وجماله فتحركت من الأزل إلى الأبد بنعت شوقها إلى صانعها وما طرى عليها السكون بل غلب عليها شوق معادنها فحركاتها جذبا منه تعالى إليه ومحبة وشوقا فلما هامت في ميادين الشوق من غلبة السكر والذوق ولا تعرف مسالك الربوبية بالحقيقة فيكشف الله لها سنا القدس فتصل به إلى جمال الإنس وتعرف هناك سبيل الصفات وتتطرق من مدارجها إلى معارج طرق معارف الذات وهذا معنى قوله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا جاهدوا بالله في الله لله فيعرفون الله بالله وهم معهم باعطائه اياهم كشف جماله لأنهم يشاهدونه بنعت المراقبة وبذل وجوههم لحب المشاهدة وذلك معنى قوله {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} واصل المجاهدة فطام النفس عما دون الله من العرش إلى الثرى سئل السياري المجاهدة من العبد إلى الله ومن الله إلى العبد فقال ما من شيء إلا والله موجده قال الله {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} أي اوجدكم واوجد أعمالكم بلا شريك ولا عون فالخلق قائم بالخلق قال ابن عطا جاهدوا في الله أي في رضانا لنهدينهم الوصول إلى محل الرضوان قال الجنيد لنهدينهم سبيل الإخلاص قال ابن عطا المجاهدة صدق الافتقار إلى الله بالانقطاع عن كل ما سواه قال النهرجورى والذين جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معناه والإنس بنا والمشاهدة لنا ومن لم يكن اوائل أحواله المجاهدة كانت أيامه وأوقاته موصولة بالتوانى والامانى ويكون حظه البعد من حيث يامل القرب قال عبد الله بن منازل المجاهدة عمل ادب الخدمة لا المداومة عليها وادب الخدمة اعز من الخدمة قال الشيخ أبو عبد الله بن حنيف وكل محتمل لثقل العبودية في اختلاف ما وضع الله من عوض وفضل فهو داخل في أحوال المجاهدين قال الأستاذ شغلوا ظواهرهم بالوظائف فاوصلنا سرائرهم اللطائف. انتهى انتهى {عرائس البيان، للبقلي. 3/} ...