وبعد هذه الجولة مع المؤمنين يرتد السياق إلى التناقض في موقف المشركين وتصوراتهم. فهم يقرون بخلق الله للسماوات والأرض وتسخيره للشمس والقمر وإنزاله الماء من السماء وإحيائه الأرض بعد موتها. وما يتضمنه هذا من بسط الرزق لهم أو تضييقه عليهم. وهم يتوجهون لله وحده بالدعاء عند الخوف.. ثم هم بعد ذلك كله يشركون بالله ، ويؤذون من يعبدونه وحده ، ويفتنونهم عن عقيدتهم التي لا تناقض فيها ولا اضطراب ، وينسون نعمة الله عليهم في تأمينهم في البيت الحرام ، وهم يروعون عباده في بيته الحرام:
ولئن سألتهم: من خلق السماوات والأرض ، وسخر الشمس والقمر ليقولن: الله.
فأنى يؤفكون؟ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ، إن الله بكل شيء عليم. ولئن سألتهم: من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن: الله. قل: الحمد لله ، بل أكثرهم لا يعقلون. وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ، لو كانوا يعلمون. فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين. فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ، ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون. أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم؟ أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون؟ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه؟ أليس في جهنم مثوى للكافرين؟..
وهذه الآيات ترسم صورة لعقيدة العرب إذ ذاك ؛ وتوحي بأنه كان لها أصل من التوحيد ؛ ثم وقع فيها الانحراف. ولا عجب في هذا فهم من أبناء إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وقد كانوا بالفعل يعتقدون أنهم على دين إبراهيم ، وكانوا يعتزون بعقيدتهم على هذا الأساس ؛ ولم يكونوا يحفلون كثيراً بالديانة الموسوية أو المسيحية وهما معهم في الجزيرة العربية ، اعتزازاً منهم بأنهم على دين إبراهيم. غير منتبهين إلى ما صارت إليه عقيدتهم من التناقض والانحراف.