ربه، وإذا أجهدها حقت له المعونة بوعد ربه له بذلك، ومتى اختار الحلول بمحال
الغافلين ولاه الله ما تولى، وكاد بذلك في عمل المسلمين وعموم المؤمنين، وإن كان
قد سبقت إليه من ربه سابقة في الأزل، حماه من عدوه وأصلح باله ورده إليه.
قوله - جل ذكره: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) . من أحسن من الله حكمًا
لقوم يوقنون، سبحانه وله الحمد، يوفيهم أجرهم بأوفى مكاييلهم، ويزن لهم بأرجح
موازينهم، ويجري مجازاتهم على أرفع أعمالهم، ويحبوهم بأكرم نياتهم، أعمها
علمًا وأتمها مشاهدة وأخلصها إيقانًا، وكذلك متى مرضوا أو تنافروا أو حبسهم عن
عبادته أو قصر بهم عن ذروة اجتهادهم بعذر يعلم صحته، كتب لهم أحسن ما كانوا
يعملون قبل حلول ذلك العذر بهم.
قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا)
انتظم معنى هذه الآية بمعنى ما افتتح به السورة، من ذكر الجهاد والأمر به وإعطاء المجهود في ذلك من النفس، وعلمنا - جلَّ جلالُه -
كيف تكون المجاهدة في الأبوين، مع توصيته بالإحسان إليهما، وخفض الجناح من
الذل لهما، مع التزام المجاهدة في ذات الله بأن يتوسط المبتلي بذلك أمرًا بين
أمرين، إحسانًا إليهما وطاعة لربه - جل ذكره - فإذا فعل ذلك جهاد في ذات الله
وطاعة له.
(فصل)
برُّ الوالدين من شكر المنعم، وذلك مخرجه من اسمه الشكور - جل ذكره -
فاجتمع البر لهما والشكر بالبر لله والشكر لله، وفي ذلك أيضًا إيجاب أداء الحق،
وقضاء الديون، وتوقير الكبير، وجزاء الإحسان بالإحسان، والاعتراف بحق الأولية،
وإعظام البدء، وهو منبعث من اسمه المبدئ، وهذه كلها آيات على وجوب حقوقه
-جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه، فإذا هو أوجب بر الوالدين وطاعتهما فبأن يوجب حقوق
ربه ويفرض طاعته أولى وأحرى.
ثم إن كانا مؤمنين فقد أوجب الرجوع إلى قولهما والأخذ بنصيحتهما، فبر