(فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ(99) .
واعلم أن مدرجة الصعود إلى مرتبة الرجاء هي المعرفة بابتداء الله العبد بالنعم،
قبل استحقاق منه لها من غير عمل عمله ولا قدم قدمه، بل ذلك في قدمه بمنه القديم
وفضله العظيم، كما أن مدرجة الصعود إلى صفة الخوف المعرفة بأنه الفعال لما
يريد لا راد لأمره ولا معقب لحكمه؛ ولأن له الملك كله وله المثل الأعلى، فكل
فعاله حسن جميل، وجميع حكمه عدل، هو عدل الأحكام، لا يحكم على أحكامه،
إنما القاضي على الأحكام أحكامه، فهذا النوع من العلم قطع قلوب العارفين.
ألا ترى إلى حكمه في الدنيا المقتضي لقوله الحق:(فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا
الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)فهذا من حكمه في الدنيا، وكيف على هذا حكمه
في الآخرة؟!.
(فصل)
ومعنى الخوف: رَدْعَة توجد بالقلب يدهش منها العقل، وقد يعتري ذلك من
أجل قوة علم العبد لمجاري الحكم، ومن أجل مطالعة العبد سطوات الرب - جل
ذكره - ونقمه، فيتولد على القلب الخوف، وهو الفرق خوفًا من الوعيد، وبدأة
الخوف الوجل، فإذا قوي صار خوفًا، والفرق بين الخوف والرهبة: أن الخوف فزع
تخف له الأعضاء، والرهبة: هول تثقل الأعضاء له، وربما كان إنما سمي الرهبان
رهبانًا؛ لأنهم ثقلت أعضاؤهم عن الهرب، فحبوا أنفسهم في الصوامع.
أتبع ذلك قوله - جل ذكره: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ...(6)
كقوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) فالجهاد مأخوذ
من بلوغ جهد النفس وإعطائها المجهود في ذلك.
وأعلم الله - جلَّ جلالُه - أن درجات الإيمان لا تكون مجالاً للعبيد إلا بالمجاهدة، وإنما
يجاهد من له قوة وبصيرة وعلم ومعرفة بقليل ما يبذله من نفسه إلى جنب عظيم ما
يطالبه، فالدرجة الأولى من الإيمان والإسلام للمسلم المؤمن بمنزلة خلقه السمع
والبصر والفؤاد للعبد، ثم كلفه بعد ذلك الإيمان به والتسليم له، وهداه النجدين،
وأوقفه على الجادين، فمتى اختار الصعود إلى أعلى درجاته أجهد نفسه لينالها برحمة