هذين أولى وأحق في عرفان العقول، والشرع قد توجه على العبد شكر زائد لله -
جل ذكره - على شكره، [إذ] قد جعل أبويه مؤمنين، كما قال سليمان - عليه السلام -: (رَبِّ
أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ
قرن الله شكرهما بشكره، ووصف رسوله - صلى الله عليه وسلم - عقوق الوالدين
بالكفر، وبساط خطاب ما يأتي بعد هذا يدل على ما ذكرنا(وَالله يَقول الحَقَّ وَهُوَ
يهْدي السَّبِيلَ).
ثم أتبع ذلك بمعنى ما تقدم قبل هذه الآية قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) . كما لا يدخل أحدًا الجنة عمله
كذلك، لا يلحقه بالدخول في الصالحين، وإنما هو وعد من الله من عمل صالحا،
فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وسنيسره لليسرى، وذلك إدخاله إياه في
الصالحين.
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ...(12)
وما جاء هذا بلفظ الأمر؛ لأنهم ضمنوا للأتباع ولمن آمن أنهم
اتبعوا سبيلهم أن يأمروا أنفسهم بتحمل أثقالهم وخطاياهم.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)
إنما على الأتباع حمل أثقال ما عملوه؛ وما أطاعوا المضلين لهم،
وتركهم النظر في آيات الله المنصوبة في السماء والأرض، وإعراضهم عن أنبياء الله
والرسل وأهل العلم من أممهم، وأمَّا المضلون فإنهم يحملون أثقال خطاياهم التي
تقدم ذكرها، ويحملون إلى ذلك أثقال إضلالهم غيرهم، لا ينقص ذلك من أوزار
غيرهم شيئا.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا
كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) . يقال لهم: من أين قلتم هذا؛ وعمن من الأنبياء
والمرسلين حملتموه؟ وفي أي كتاب من عند الله وجدتموه؟.