يَقُولُ: بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لَا يَعْقِلُونَ مَا لَهُمْ فِيهِ النَّفْعُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، وَمَا فِيهِ الضُّرُّ، فَهُمْ لِجَهْلِهِمْ يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ لِعِبَادَتِهِمُ الْآلِهَةَ دُونَ اللَّهِ، يَنَالُونَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ زُلْفَةً وَقُرْبَةً، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ بِذَلِكَ هَالِكُونَ مُسْتَوْجِبُونَ الْخُلُودَ فِي النَّارِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} الَّتِي يَتَمَتَّعُ مِنْهَا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ {إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ}
يَقُولُ: إِلَّا تَعْلِيلُ النُّفُوسِ بِمَا تَلْتَذُّ بِهِ، ثُمَّ هُوَ مُنْقَضٍ عَنْ قَرِيبٍ، لَا بَقَاءَ لَهُ وَلَا دَوَامَ {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ}
يَقُولُ: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَفِيها الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ الَّتِي لَا زَوَالَ لَهَا , وَلَا انْقِطَاعَ , وَلَا مَوْتَ مَعَهَا.
وَقَوْلُهُ: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}
يَقُولُ: لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لَقَصَرُوا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ بِاللَّهِ، وَإِشْرَاكِهِمْ غَيْرَهُ فِي عِبَادَتِهِ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِذَا رَكِبَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ السَّفِينَةَ فِي الْبَحْرِ، فَخَافُوا الْغَرَقَ وَالْهَلَاكَ فِيهِ {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}
يَقُولُ: أَخْلَصُوا لِلَّهِ عِنْدَ الشِّدَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمُ التَّوْحِيدَ، وَأَفْرَدُوا لَهُ الطَّاعَةَ، وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْعُبُودَةِ، وَلَمْ يَسْتَغِيثُوا بِآلِهَتِهِمْ وَأَنْدَادِهِمْ، وَلَكِنْ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُمْ {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبِرِّ}
يَقُولُ: فَلَمَّا خَلَّصَهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ وَسَلَّمَهُمْ، فَصَارُوا إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِهِمْ، وَيَدْعُونَ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ مَعَهُ أَرْبَابًا.