فذكر الجماعة ليفضحهم أمام بعض ؛ لأن الإنسان يستر على نفسه ، فالحكمة من الجمع هنا أن رؤية الناس قد تكون مانعة من الشر ، فمثلاً في موسم الحج ترى أكابر القوم وأوسطهم وأدناهم سواسية في الطواف ، ويقف الواحد منهم يبكي عند الملتزم ، وحين يراك صاحب المنصب أو المركز وهو مَنْ هو في بلده ساعة يعرف أنك رأيته وهو يبكي في هذا الموقف تراه يتواضع لك ، ولا يتعالى عليك بعدها .
فالحق سبحانه حين يُحذِّرنا من العودة إلى المعصية بعد أنْ يكشف عنا الضر إنما يعطينا المصل الواقي بصورة تحدث في الواقع ، وكأنه تعالى يقول لنا: خذوا بالكم ، واعلموا أنكم مفضوحون بكتاب الله فيما تُحدثون من أحداث في حياتكم ، فكل منكم ينبغي أنْ يعلم أنه مراقب من الأزل ومكتوبة عليه خواطره ؛ لأن معنى القرآن الحق أنه لا يتغير ، وإذا قال الله فيه شيئاً فلا بُدَّ أنْ يحدث كما أخبر الله به .
لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66)
واللام في {لِيَكْفُرُواْ ...} [العنكبوت: 66] ليست لام التعليل ؛ لأن الكفر لم يكُنْ مقصداً لهم ، وحين عادوا بعد أن نجاهم الله إنما عادوا إلى أصلهم ، فاللام هنا لام الأمر كما لو قلت: قم يا زيد وليقم عمرو ، وعلامة لام الأمر أن تكون ساكنة ، وهي هنا مكسورة لأنها في بداية الكلام ، حيث لا يُبدأ بساكن ، ولو وضعنا قبلها حرفاً لتبيَّن سكونها .
ومثالها في قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق} [الحج: 29] .
وقوله سبحانه: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ الله ...} [الطلاق: 7] .