{فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ...} [العنبكوت: 65] والفلك: السفينة ، وتُطلق على المفرد وعلى الجمع ، فيقول تعالى: {وَيَصْنَعُ الفلك ...} [هود: 38] وقوله {دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ...} [يونس: 22] واضح من السياق أنها ليستْ دعوة الحمد ، كأن يقولوا مثلاً {سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13] بل هي دعوة الاضطرار بعد أنْ تعرَّضوا لشدة وعطب لا تنجيهم منها أسبابهم ، بدليل قوله تعالى بعدها: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] .
فهذه تعطينا أنهم ركبوا في السفينة ، فلما تعرَّضوا للعطب ، وضاقتْ بهم أسبابهم دعوا الله مخلصين له الدين .
وفي لقطة أخرى يقول القرآن: {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين} [يونس: 22] .
فمعنى {أُحِيطَ بِهِمْ ...} [يونس: 22] أي: لا يوجد لهم مفر ولا مهرب ولا مفزع يفزعون إليه إلا أنْ يتوجهوا إلى الله بدعاءخالص ويقين إيمان في أنهم لا ملجأ لهم إلا الله ، وقد كانوا في أول الرحلة فرحين بمركبهم مسرورين به ، وساعتها لم يكُن الله في بالهم ، إنما لما ضاقت بهم الحيل عادوا إلى الحق ، فالوقت لا يحتمل المراوغة .
لأن الإنسان عادةً لا يخدع نفسه ، فحتى الكافر حين تضيق به أسباب النجاة يلجأ بالفطرة إلى الله الحق ، وينسى آلهته ومعبوداته من دون الله ؛ لأنه لا يسلم نفسه أبداً ، ولا يتمادى حينئذ في كذبة الآلهة والأصنام .
لذلك: دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين .