لكن هناك حياة أخرى أسمى من هذه يقول الله عنها: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ...} [الأنفال: 24] فكيف يخاطبهم بذلك وهم أحياء؟ لا بُدَّ أن المراد حياة أخرى غير هذه الحياة المادية ، المراد حياة الروح والقيم والمنهج الذي يأتي به رسول الله .
لذلك سمَّى المنهج روحاً {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ...} [الشورى: 52] وسمَّى الملَك الذي نزل به روحاً: {نَزَلَ بِهِ الروح الأمين} [الشعراء: 193] .
إذن: {وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان ...} [العنكبوت: 64] أي: الحياة الحقيقية التي لا تفوتها ولا تفوتك ، ولا يفارقك نعيمها ، ولا يُنغِّصه عليك شيء ، كما أن التنعُّم في الدنيا على قَدْر إمكاناتك وأسبابك ، أمّا في الآخرة فالنعيم على قَدْر إمكانات المنعم سبحانه وتعالى .
ثم يأتي وَصْف الدنيا بأنها لَهْو ، ولَعِب ، وهما حركتان من حركات جوارح الإنسان ، لكنها حركة لا مَقصدَ لها إلا الحركة في ذاتها دون هدف منها ؛ لذلك نقول لمن يعمل عملاً لا فائدة منه"عبث".
إذن: اللهو واللعب عبث ، لكن يختلفان من ناحية أخرى ، فاللعب حركة لا فائدة منها ، لكنه لا يصرفك عن واجب يعطي فائدة ، كالولد حين يلعب ، فاللعب لا يصرفه عن شيء إذن: فاللعب لمن لم يبلغ ، أمّا البالغ المكلف فاللعب في حقِّه يسمى لَهْواً ، لأنه كُلِّف فترك ما كُلِّف به إلى ما لم يكلّف به ، ولَهَا عن الواجب ، ومنه: لَهْو الحديث .
فقوله تعالى {وَمَا هذه الحياة الدنيآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ ...} [العنكبوت: 64] أي: إنْ جُرِّدت عن الحياة الأخرى حياة القيم التي تأتي باتباع المنهاج .