ولما كانت الهجرة شديدة المرارة لأنها مرت في المعنى من حيث كونها مفارقة المألوف المحبوب من العشير والبلد والمال ، وكان في الموت ذلك كله بزيادة ، قال مؤكداً بذلك مذكراً به مرهباً من ترك الهجرة: {كل نفس ذائقة الموت} أي مفارقة كل ما ألفت حتى بدناً طالما لابسته ، وآنسها وآنسته ، فإن أطاعت ربها أنجت نفسها ولم تنقصها الطاعة في الأجل شيئاً ، وإلا أوبقت نفسها ولم تزدها المعصية في الأجل شيئاً ، فإذا قدر الإنسان أنه مات سهلت عليه الهجرة ، فإنه إن لم يفارق بعض مألوفه بها فارق كل مألوفه بالموت ، وما ذكر الموت في عسير إلا يسره ، ولا يسير إلا عسره وكدره.
ولما هوّن أمر الهجرة ، حذر من رضي في دينه بنوع نقص لشيء من الأشياء حثاً على الاستعداد بغاية الجهد في التزود للمعاد فقال: {ثم إلينا} على عظمتنا ، لا إلى غيرنا {ترجعون} على أيسر وجه ، فيجازي كلاً منكم بما عمل.
ولما كان التقدير: فالذين آمنوا فلبسوا إيمانهم بنوع نقص لننقصنهم في جزائهم ، والذين كفروا لنركسنهم في جهنم دركات تحت دركات فبئس مثوى الظالمين ، ولكنه لما تقدم ذكر العذاب قريباً ، وكان القصد هنا الترغيب في الإيمان كيفما كان ، طواه ودل عليه بأن عطف عليه قوله: {والذين آمنوا وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} أي كلها.
ولما كان الكفار ينكرون البعث ، فكيف ما بعده ، أكد قوله: {لنبوئنهم} أي لنسكننهم في مكان هو جدير بأن يرجع إليه من حسنه وطيبه من خرج منه لبعض أغراضه ، وهو معنى {من الجنة غرفاً} أي بيوتاً عالية تحتها قاعات واسعة بهية عالية ، وقريب من هذا المعنى قراءة حمزة والكسائي بالثاء المثلثة من ثوى بالمكان - إذا أقام به.