أي: إن في ذلك الكتاب الذي أنزلناه عليك - أيها الرسول الكريم - ، والذي تتلوه عليهم صباح مساء، لرحمة عظيمة، وذكرى نافعة، لقوم يؤمنون بالحق، ويفتحون عقولهم للرشد، لا للتعنت والجحود والعناد.
ثم أرشده - سبحانه - إلى جواب آخر يرد به عليهم فقال: قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً. أي: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين: يكفيني كفاية تامة أن يكون الله - تعالى - وحده، هو الشهيد بيني وبينكم على أنى صادق فيما أبلغه عنه، وعلى أن هذا القرآن من عنده.
وهو - سبحانه - يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ علما لا يعزب عنه شيء، وسيجازينى بما أستحقه من ثواب، وسيجازيكم بما تستحقونه من عقاب.
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وأعرضوا عن الحق وَكَفَرُوا بِاللَّهِ - تعالى - مع وضوح الأدلة على أنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة والطاعة.
الذين فعلوا ذلك: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ خسارة ليس بعدها خسارة، حيث آثروا الغي على الرشد، واستحبوا العمى على الهدى، وسيكون أمرهم فرطا في الدنيا والآخرة.
وقوله - عز وجل -: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ... بيان للون آخر من ألوان انطماس بصيرة هؤلاء الكافرين، ومن سفاهاتهم وجهالاتهم. أي: أن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بتكذيبك - أيها الرسول الكريم - بل أضافوا إلى ذلك، التطاول عليك، لسوء أدبهم، وعدم فهمهم لوظيفتك. بدليل أنهم يطلبون منك أن تنزل عليهم العذاب بعجلة وبدون إبطاء، على سبيل التحدي لك. كما قالوا في موطن آخر: ... اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
ثم يبين الله - تعالى - حكمته في تأخير عذابه عنهم إلى حين فيقول: وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ .... أي: يستعجلك المشركون يا محمد في نزول العذاب بهم، والحق أنه لولا أجل مسمى، ووقت معين، حدده الله - تعالى - في علمه لنزول العذاب بهم، لجاءهم العذاب في الوقت الذي طلبوه، بدون إبطاء أو تأخير.