وكوْن الحق - تبارك وتعالى - لا يأمر الناسَ بقتال الكفار هذا أمر منطقي ، والدليل رأيناه في بني إسرائيل لما طلبوا من الله أنْ يفرض عليهم القتال ، فقال: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ . .} [البقرة: 246] .
ولم يُؤْمر بالقتال لنشر الدعوة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ومَنْ آمن معه مأمونون على هذا ، ولأنه صلى الله عليه وسلم آخر الرسل والأنبياء ، فلا بُدَّ أن يستوفي كل الشروط .
ونتيجة التكذيب {فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [العنكبوت: 37] وهذا عقاب الله ؛ لأنه كان سبحانه يتولّى المكذِّب . وفي (الحجر) وفي (هود) قال (الصيحة) وحتى لا تتهم الآيات بالتضارب نقول: الصيحة: صوت شديد مزعج ، وهذا الصوت لا نسمعه إلا بتذبذب الهواء بشدة ، ولو كان تذبذب الهواء بلطف ما سميت صيحة .
إذن: الصيحة تخلخل في الهواء بشدة ؛ لا بد أنْ ينتج عنه رجفة أي: هزة شديدة كالتي تهدم بالبيوت والعمارات نتيجة قنبلة مثلاً ، فالصيحة وُجدت أولاً ، تبعتها الرجفة ، لكن القرآن مرة يذكر الأصل فيقول (الصيحة) ومرة يذكر النتيجة فيقول (الرجفة) .
{فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [العنكبوت: 37] قال (فَأصْبَحُوا) ولم يقُلْ مثلاً: فصاروا ليُحدِّد وَقْت أخذهم بالصباح ، والعادة أن تكون الإغارة وقت الصباح قبل أن يستعد خَصْمك لملاقاتك ، فما يزال في أعقاب النوم خاملاً ، وإلى الآن يفضل رجال الحرب والقادة أن تبدأ الحرب في الصباح ، حيث يُفَاجأ بها العدو .