إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً لا يقدرون أن يرزقوكم، وهو دليل ثان على شر ما هم عليه، من حيث إن تلك الأوثان لا تجدي شيئا. فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ اطلبوه منه، فإنه المالك له. وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ متوسلين إلى مطالبكم بعبادته، شاكرين له نعمه. إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي مستعدين للقائه بالعبادة والشكر، فإنكم راجعون إليه.
وَإِنْ تُكَذِّبُوا أي تكذبوني. فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ أي من قبلي من الرسل، فلم يضرهم تكذيبهم، وإنما ضرّ أنفسهم، حيث تسبب لما حلّ بهم من العذاب، فكذا تكذيبكم.
إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ إلا البلاغ البيّن الذي زال معه الشك.
وهذه الآية: وَإِنْ تُكَذِّبُوا وما بعدها إلى قوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ من جملة قصة إبراهيم، ويحتمل أن يكون المذكور اعتراضا، بذكر شأن النبي صلّى الله عليه وسلم وقريش وهدم مذهبهم
والوعيد على سوء صنيعهم، وهو توسط بين طرفي قصة، من حيث إن مساقها لتسلية الرسول صلّى الله عليه وسلم والترويح عنه بأن أباه خليل الله مني بنحو ما مني به من شرك القوم وتكذيبهم، وتشبيه حاله فيهم بحال إبراهيم في قومه.
يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ أي يخلقهم ابتداء من مادة وغيرها. ثُمَّ يُعِيدُهُ يعيد الخلق بعد الموت كما بدأهم. إِنَّ ذلِكَ المذكور من الخلق والإعادة. عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ إذ لا يفتقر في فعله إلى شيء، فكيف ينكرون الثاني؟ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ لمن كان قبلكم وأماتهم، على اختلاف الأجناس والأحوال. ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ هي إعادة الخلق مرة أخرى، بعد النشأة الأولى التي هي الإبداء، فإنه والإعادة نشأتان، من حيث إن كلّا منهما اختراع وإخراج من العدم، فالنشأة: الخلق والإيجاد. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومنه البدء والإعادة لأن قدرته لذاته وكل الممكنات بالنسبة إلى ذاته سواء، فيقدر على النشأة الأخرى، كما قدر على النشأة الأولى.