ثم بين - سبحانه - مصير الكافرين فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ الدالة على وحدانيته وقدرته، وعلى ذاته وصفاته .. وكفروا - أيضا - بالأدلة الدالة على لِقائِهِ بأن أنكروا البعث والحساب والجزاء أُولئِكَ الذين كفروا بكل ذلك يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أي: انقطع أملهم في رحمتي إياهم انقطاعا تاما وعبر - سبحانه - بالماضي لدلالة علمه التام على تحقق وقوع هذا اليأس، وفقدان الأمل عند هؤلاء الكافرين وقت أن يقفوا بين يديه للحساب، بسبب كفرهم وسوء أعمالهم.
وأضاف - عز وجل - الرحمة إليه، للإشارة إلى سبقها لغضبه، وأنها تشمل عبادة المؤمنين.
وَأُولئِكَ أي: الذين كفروا بآيات الله وبلقائه لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ لا يعلم مقدار شدته وفظاعته إلا هو - سبحانه - .
ثم قص - سبحانه - بعد ذلك ما قاله قوم إبراهيم له، وما رد به عليهم. فقال - تعالى -:
[سورة العنكبوت (29) : الآيات 24 إلى 27]
(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(24)
فقوله - تعالى -: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ ... بيان لما رد به الظالمون على نبيهم إبراهيم - عليه السلام - بعد أن وعظهم ونصحهم وأقام لهم أوضح الأدلة على صدقه فيما يبلغه عن ربه.
ولفظ «جواب» بالنصب، خبر كان، واسمها قوله: إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه ..
والمراد بقتله: إزهاق روحه بسيف ونحوه، لتظهر المقابلة بين الإحراق والقتل.
وجاء هنا الترديد بين الأمرين، للاشعار بأن من قومه من أشار بقتله، ومنهم من أشار بإحراقه، ثم اتفقوا جميعا على الإحراق، كما جاء في قوله - تعالى -: قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ.
والمعنى: فما كان جواب قوم إبراهيم له، بعد أن نصحهم وظهرت حجته عليهم، إلا أن قالوا فيما بينهم، اقتلوه بالسيف، أو أحرقوه بالنار، لتستريحوا منه، وتريحوا آلهتكم من عدوانه عليها، وتحطيمه لها ...
وقولهم هذا الذي حكاه القرآن عنهم، يدل على إسرافهم في الظلم والطغيان والجهالة ...