وذلك لأنه كان مما لم يشاهده سليمان، ولم يسمع خبره من الجن والإنس يشار إلى سعة كرم الله تعالى ورحمته بأن يختص طائرًا بعلم ما لم يعلمه نبي مرسل، وهذا لا يقدح في حال النبي - صلى الله عليه وسلم - والرسول بأن لا يعلم علمًا غير نافع في النبوة.
والحاصل: أن الذي أحاط به الهدهد كان من الأمور المحسوسة التي لا تعد الإحاطة بها فضيلة، ولا الغفلة عنها نقيصة؛ لعدم توقف إدراكها إلا على مجرد إحساس يستوي فيه العقلاء وغيرهم. وفي"القرطبي":
فَإِنْ قُلْتَ: كيف يخفى على سليمان مكانها، وكانت المسافة بينهما قريبة؛ وهو مسيرة ثلاث مراحل بين صنعاء ومأرب؟ فالجواب أن الله عَزَّ وَجَلَّ أخفى ذلك عنه لمصلحة رآها، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب. اهـ.
وفي"الأسئلة المقحمة": هذا سوء أدب في المخاطبة، فكيف واجهه بمثله، وقد احتمله وعفاه؟ والجواب أنه لا بأس به؛ لأنه عقبه بفائدة، والخشونة المصاحبة بفائدة قد يحتملها الأكابر، انتهى.
ثم أشار إلى أنه بصدد إقامة خدمة مهمة له، كما قال: {وَجِئْتُكَ} أيها الملك {مِنْ} مدينة {سَبَإٍ} وهي مدينة من اليمن تعرف بمأرب، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، وعلى هذا فسبأ غير منصرف للعلمية والتأنيث المعنوي. وقيل: اسم لحي باليمن، سموا باسم أبيهم الأكبر، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود عليه السلام. قالوا: اسمه عبد الشمس، لقب به لكونه أول من سبى، ثم سميت مدينة مارب بسبأ، وعلى هذا فسبأ مصروف.
{بِنَبَإٍ} ؛ أي: بخبر خطير {يَقِينٍ} ؛ أي: صادق محقق لا شك فيه، يشير إلى أن شرط المخبر أن لا يخبر عن شيء إلا أن يكون متيقنًا فيه لا سيما عند الملوك.
وقرأ الجمهور: {مِنْ سَبَإٍ} - بكسر الهمزة مصروفًا هنا - ، وفي قوله: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ} على جعله اسمًا لحي، أو الموضع، أو للأب، كما في حديث فروة بن مسيك وغيره عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أنه اسم رجل ولد عشرة من الأولاد، تيامن ستة منهم، وتشاءم أربعة، والستة الذين تيآمنوا: حمير، وكندة، والأزد، وأشعر، وخشعم، وبجيلة، والأربعة الذي تشاءموا: لخم، وجذام، وعاملة، وغسان.