قرأ ابن كثير وحده بنون التوكيد المشددة بعدها نون الوقاية. وقرأ الباقون بنون مشددة فقط؛ وهي نون التوكيد. وقرأ عيسى بن عمر بنون مشددة مفتوحة غير موصولة بالياء. وقرأ الجمهور: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي} نون مشددة بعدها ياء المتكلم.
قال شيخ الإِسلام: قوله تعالى: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) } توعد به سليمان الهدهد مع أنه غير مكلف بيانًا لكونه خص بذلك، كما خص بعلم منطقه. اهـ.
22 - {فَمَكَثَ} الهدهد بعد تفقد سليمان إياه مكثًا {غَيْرَ بَعِيدٍ} أي: غير طويل، أو مكث زمانًا غير مديد، يشير إلى أن الغيبة، وإن كانت موجبة للعذاب الشديد؛ وهو الحرمان من سعادة الحضور ومنافعه، ولكنه من أمارات السعادة سرعة الرجوع، وتدارك الفائت.
قرأ الجمهور: {فَمَكَثَ} : بضم الكاف. وقرأ عاصم وحده بفتحها، ومعناه على القراءتين: أقام زمانًا غير طويل. قال سيبويه: مكث مكوثًا من باب قعد قعودًا. وقيل: إن الضمير في مكث لسليمان. والمعنى: بقي سليمان بعد التفقد والتوعد زمانًا غير طويل، والأول أولى.
وقرأ ابن مسعود: {فتمكث} : بزيادة تاء من باب تفعل. {فَقَالَ} معطوف على محذوف تقديره: فمكث الهدهد غير بعيد، فجاء فعوتب على مغيبه، فقال معتذرًا عن ذلك: {أَحَطْتُ} علمًا ومعرفة {بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} علمًا ومعرفة؛ أي: علمت من الأمر ما لم تعلمه، ويجوز إدغام التاء في الطاء، فقال: {أحط} وإدغام الطاء في التاء، فيقال: أحت.
وقيل: هنا محذوفات تقديرها: فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما تواضعًا لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه، وقال له: أين كنت؟ لأعذبنك عذابًا شديدًا، فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، فلما سمع سليمان ذلك ارتعد، وعفا عنه، ثم سأله، فقال: ما الذي أبطأك عني؛ فقال الهدهد: {فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} ؛ أي: علمت ما لم تعلم أيها الملك، وبلغت إلى ما لم تبلغ.